-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فأمّا الزّبد فيذهب جفاء

أبو جرة سلطاني
  • 900
  • 0
فأمّا الزّبد فيذهب جفاء

كتب صاحب النّسبية “ألبيرت أنشتاين” يوما أمام طلبته على لوح جدول ضرب الرقم 9، وتعمد الخطأ، فكتب ( 9×9 =1. و 9×18 =2 ….الخ)  فلما بلغ 9 × 91 =   9 ..!!  بدل 81.  فصاح الجميع ” أستاذنا الكبير لا يحفظ جدول الضرب..!! فقال كلمته المشهورة: “لا تدع نقد الصغار يدمر أحلامك. فالعاطلون فقط هم الذين لا يخطئون”.

قلت: صدق؛ فالراكض قد يسقط. والسائر قد يتوقف. والواقف قد يجلس. والجالس قد يضطجع. ولكن النائم لا يسقط ولا يتوقف ولا يجلس.. لأنه نائم. فإذا استيقظ أدرك أنه كان غائبا عن حركة الحياة. فانتقد الراكض والماشي والواقف والجالس.. وظل مضطجعا..!!

فلا تتهيّب من نضح السّهام عليك من كل حدب وصوب. من صديق وخصيم وقريب وبعيد، فالأشجار المثمرة تغري المارة بقذفها بالحجارة. والضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه. ولولا كير القيون ما تحوّل زبر الحديد سيفا صقيلا. ولولا صهر اللهب ما صار التبر إبريزا..

فلا تعجب من لعبة الحياة؛ ففي كل مجتمع أفراد يظنون انفسهم “ميزانا” لحركة الناس: فهم الحق. وهم العدل. وهم القسطاس المستقيم.. إذا وافقتهم فأنت العدل والرحمة والاستقامة والخير والجمال.. وإذا خالفتهم فأنت الجور والسوء والظلم والهضم..

ولم يسلم من ذلك كبيرٌ حتى رسول الله (صلى االه عليه وسلم) وهو يقسّم غنائم “غزوة حنين”، فظهر في الصفّ من يطعن في عدالته!! ويعلن ذلك على الملإ. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: بينما النبيّ (ص) يقسّم قسما إذ جاءه “ذو الخُويصر التّميمي” فقال: أعدل يا رسول الله!؟! فقال (ص): “ويلك؛ ومن يعدل إذا لم أعدل”. فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): ائذن لي فاضرب عنقه، فقال رسول الله (ص): “دعْه، فإنّ له أصحابا يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيّامه مع صيّامهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية”. قال أبو سعيد: فنزلت: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ” التّوبة: 58.

قلت: صدق رسول الله، فبعد ربع قرن صار من أصحاب “ذي الخويصر” خوارجُ قتلوا المسلمين بالشّبهة، وحكموا على فرق كثيرة من أهل القبلة بالكفر والردّة والخروج عن الإسلام!! ومرقوا من دينهم كمروق السّهم من قوسه.

قال أبو سعيد الخدري: “فأشهد أنّي سمعت هذا من رسول الله (ص). وأشهد بأنّ عليّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرّجل فالتُمس فأُتيّ به حتّى نظرت إليه على نعت رسول الله (ص) الذي نعت. رواه الشيخان أ.هـ. والقصّة بتفاصيلها في ابن كثير: البداية والنّهاية، الجزء الرّابع.

هم أقوام إذا أعطوا من الغنيمة رضوا وسكتوا وعدّوا ذلك عدلا، فالعطاء يرضيهم ولو كان جائرًا. وإذا مُنعوا سخطوا وارتفعت أصواتهم بالاحتجاج المنكر، فالمنع يستفزّهم ويثير حفيظيهم ولو كان عدْلا.

ـ فالعدل عندهم أنْ يأخذوا لأنفسهم ولو جورا.

ـ والجور عندهم أن يُمنعوا ولو عدلاً.

لكن الذي لم ينتبه إليه المفسرون أن نسبة أشباه “ذي الخويصر” في المجتمعات الإسلامية قليلة جدا لا تكاد تُذكر. ولكن صوتها مرتفع. فيوم قال “ذو الخويصر” ما أساء به الأدب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ما قال بحضور 12.000مقاتلا، لم يذكر التاريخ استقامتهم ولا حسن أخلاقهم. ولا طاعتهم لله ورسوله.. في حين طارت الأخبار بقول منحرف واحد أساء الأدب مع من بُعث رحمة للعالمين..!!

قلت: لا تبتئس مما يقال وبما يكتب فمن الناس من يكفر العشير مهما كان العطاء والتواضع وحسن الخلق. فعين  السّخط لا تبصر امة مستقيمة وتقفز إلى معوجّ واحد. وأذن الحقد لا يهزّها سوى صوتٌ نشاز. وقد علمتنا التجارب أن وقوع ذبابة واحدة في وعاء عسل يعكر مزاج القلب. ولكنها إذا وقعت ماتت وتطهر العسل بغمر جناحيها في حلاوته. ونسيها الناس..!!

واستفدنا من السيرة المطهرة  أن “ذا الخويصر” مات وما قدحت مقالته في سيرة من كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر (صلى الله عليه وسلم). فقل صدق الله:” كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” الرّعد: 17.

والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!