-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قبرهما لا يزال شاهدا في القصبة

قصة اميرتين عثمانيتين أحبتا جنديا وماتتا عشقا

الشروق أونلاين
  • 3708
  • 0
قصة اميرتين عثمانيتين أحبتا جنديا وماتتا عشقا
ح.م

في فناء صغير في القصبة العتيقة، في تقاطع طريقي نفيسة رمضان وزاوية سيدي بن علي… ترقد بسلام برزخي أميرتان عثمانيتان ذواتا حسب ونسب، تروي نسوة القصبة قصة حبهما المستحيل، حطبه الخيانة ولظاه الانتقام.. الشروق العربي تروي رواية الحب وتسرد قصة المقبرة المنسية في زمن ألف قصبة وقصبة.

في زمن بعيد، كان هذا الفناء مزارا تقصده نساء القصبة، للتبرك جهلا بوليين صالحين، هما سيدي بن علي وسيدي براهم بن موسى، ينوين الأحلام، ويعقدن في شجر القبر أمانهين المستحيلة.. وتنتهي طقوسهن الشركية بإشعال شمعة وذبح “سردوك” قربانا… ومرت الأيام، ومست أيادي التخريب هذا المكان التاريخي، الذي أضحى خاويا على عروشه إلا من “شاهدين” من رخام أبيض وأسود على حائط المسجد… وبنقوش عربية يودع التاريخ أسرار قبرين منسيين لأميرتين عثمانيتين… كتب على الشاهد الأول: “هذا قبر المرحومة فاطمة بنت حسن باي غفر الله له ولنا جميعا آمين”… وفي الشاهد الثاني: “كل ما سوى الله فان… هذا قبر المغفور لها نفيسة بنت المرحوم حسن باشا”.
وتتوارث نساء القصبة قصة هاتين الأميرتين، اللتين أغرمتا بنفس الرجل، وهو جندي انكشاري وسيم.. وانتشر في أرجاء القصبة صدى هذا الحب الثلاثي الملعون، وتناهى إلى آذان والدهما الباي، فحبسهما في الدار، فماتتا حزنا وقهرا، وهناك بعض العجائز يروين رواية مختلفة عن الأولى، مفادها أن الجندي قرر الزواج بنفيسة وفاطمة معا، متحديا الشرع الذي يحرم الجمع بين الأختين، هذا القرار أجج غضب الشيخ الصالح سيدي بن علي، فطلب من الباي إقامة الحد عليهم جميعا.

الشاهد والمشهود

المتمعن في نقوش “شاهدي” القبرين، يدرك أن هذه روايات لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فلقب والد الأميرتين تغير بعد أن كان بايا أصبح باشا، وأن فاطمة توفيت وهي في مقتبل العمر، بينما كان أبوها “حسن باي” على قيد الحياة… وهذا دليل قاطع على أن نفيسة وفاطمة لم تتوفيا في نفس الحقبة، وأن قصة الحب ليست إلا حكاية أسطورية تروى فوق سطوح القصبة.

فضولنا التاريخي قادنا إلى زمن هذا الحاكم العثماني، الذي ترك أكثر من تحفة هندسية في أحياء القصبة، الذي كان يشغل منصب “خرناجي” إلى غاية سنة 1789.. وتقلد حسن باي مقاليد الحكم بين سنتين 1791 و1798، أي ثماني سنوات من الازدهار الاقتصادي والمعماري… وكان حسن باي يدعى بأبي الأميرات، إذ ليس في القصبة ولا الجزائر قاطبة من لا يعرف ابنته خداوج العمياء التي صمد قصرها إلى حد الساعة، وتزوجت ابنته فاطمة (ليست نفسها فاطمة القبر المنسي) بالداي حسين الشهير.

سيدي بن علي…

وتطرح مقبرة الأميرات أكثر من سؤال حول تاريخ بنائها، ومن دفن فيها من الشخصيات التاريخية المعروفة… من بينهم سيدي بن علي الذي تعتقد نساء القصبة أنه ولي صالح، غير أن المخطوطات المؤرخة لتلك الفترة ترجح أنه كان رجل دين ومفتي ديار القصبة من المذهب الحنفي الذي كان يمثل الأقلية العثمانية، وقلده حسن باي لقب “شيخ الإسلام”، وكان من مهامه الإفتاء وإلقاء خطب الجمعة في “جامع الجديد”.

غير أن سيدي بن علي لم يكن مفتيا فحسب، بل كان شاعرا صوفيا يرنو بالحب الإلهي والمديح النبوي، وقد جمع شعره في مخطوط نادر ضاع بعد الاحتلال الفرنسي، وقد يكون قد أحرق في محرقة الثقافة والعلم التي أتت على الأخضر واليابس، ولم يبق منه سوى بعض المقاطع في رثاء زوجته، ذكرت في مجلد “نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب”.

يقول الشيخ سيدي بن علي:

رأيت بها عصر الشباب معاصري وخيلت أني كنت من سكان عدن

فما راعني إلا النوى صاح صيحة فزعزع من عرشي وضعضع من ركني

وقال لمن كانت حياتي وراحتي وريحانتي: قومي إلى منزل الدفن

فحالت يد الأقدار بيني وبينها فأصبحت مسلوب الحجا ذاهل الذهن

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!