-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لقاء ثقافي مع الدكتور محمد الأحمري

التهامي مجوري
  • 225
  • 1
لقاء ثقافي مع الدكتور محمد الأحمري

الدكتور محمد حامد الأحمري، كاتبٌ ومفكر ومثقف سعودي نشط في الميدان الفكري والثقافي والإعلامي، من مواليد 1959، واصل تعليمه في وطنه، ثم بعد منتصف الثمانينيات انتقل إلى أمريكا، ولم يعد منها إلا في سنة 2002، فمكث بالمملكة العربية السعودية مدة وجيزة يشتغل في مكتبة العبيكان، ولعل لأحداث 11 سبتمبر 2001 صلةً بعودته من أمريكا، يوم كشّرت العنصرية الأمريكية عن أنيابها يومها.
ثم انتقل من السعودية إلى الدوحة، وهو مقيم بها، وقد مُنح الجنسية القطرية. وهو الآن يدير منتدى العلاقات العربية والدولية، ويشرف على برنامج “أسمار وأفكار” السمعي البصري الذي يبث على اليوتوب، وله حضور ثقافي قوي، في عالم الأنشطة الثقافية والفكرية، بطروحاته المتميزة.
حاصل على شهادة الماجستير في التاريخ الأوروبي، وفي تاريخ شمال إفريقيا، ليبيا تحديدا زمن الاحتلال، ثم وجد وثائق عن الأوقاف الجزائرية وكانت ملفات ووثائق كثيرة في باريس فكتب عن الأوقاف المتوفرة من زمن دخول العثمانيين إلى زمن الاحتلال الفرنسي.
تعرّفت على الدكتور الأحمري عن بُعد في سنة 2000، عندما كان مقيما في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال كتاباته التي كنت أتابعها، إذ كان يدير موقعا إلكترونيا يحمل إسم “العصر”، ولم يتيسَّر لي اللقاء مع الدكتور الأحمري إلا يوم الخميس 11 جانفي 2024 بمناسبة زيارتي للدوحة، فاستقبلنا في بيته، وعندما رأيت الرجل وسلّمت عليه شعرت وكأنه يعرفني من قبل، إذ دخلنا مباشرة في قضايا الثقافة وهمومها، فلاحظت عليه أنه يعرف الكثير عن الجزائر وعن رجالها، فحدّثني عن ناصر الدين سعيدوني، وأبو القاسم سعد الله، الذي كان تمنى أن يراه عندما زار الجزائر، ولكنه لم يوفَّق؛ لأن الدكتور سعد الله يوم زيارة الأحمري للجزائر، كان في زيارة إلى الوادي التي تبعد عن العاصمة الجزائر 680 كلم، كما حدّثني عن مالك ابن نبي، وتكلمنا في لقب “الإبراهيمي”، الذي يحمله ثلاثة مسؤولين جزائريين على الأقل وهم: أحمد طالب الإبراهيمي، وعبد الحميد الإبراهيمي، والأخضر الإبراهيمي، ولا علاقة نسب بينهم، وهذا غير شائع بين المشارقة وأهل الخليج خاصة. أذكر يوما في الكويت أنني ذكرت لأحد الزملاء الإعلاميين، لقبا خليجيا، أظنه لقب العتيبي إن لم تخني الذاكرة وهو منهم، فقال لي عدد أفراد هذه القبيلة 600 ألف فرد، موزعة على دول الخليج… وفي الأخير تكلمنا عن الأستاذ المؤرخ أحمد توفيق المدني، ولم أكمل كلامي معه عنه.
وقد قصصت للدكتور من جهتي كيفية تعرفي عليه، وقد صادف أن تعرفت عليه لأول مرة، من خلال خطابه وكتاباته كما أسلفت، وتساءلت يومها: كيف يكون لهذا الرجل هذا المستوى من الخطاب وهو من منطقة الخليج، التي قلما يوجد بها هذا المستوى سواء من جهة الطرح الفكري ومن الاستشهادات وعلو سقف في الطرح الفكري؟
والدكتور الأحمري مختلفٌ عن الكثير حتى ممن خرجوا عن المألوف الخليجي؛ لأن اهماماته كانت في مستوى القضايا الإنسانية، التي هي محلّ اهتمام العالم برمته، على غير عادة الخطاب الإسلامي الذي شغلته اهتماماته المحلية والمذهبية، فهمومه منصبّة على الديمقراطية والحريات ومقاومة الاستبداد وحقوق الإنسان، ومتميزة بالنشاط في تحرير تلك القيم الإنسانية السامية من المركزية الغربية وربطها بأصول الفكر الإسلامي وطروحاته الأصيلة.
والحق أقول لقد اكتشفت بعد ذلك الكثير من الطاقات الفكرية الراقية أمثال علي الهويريني، وقبله بسنوات طويلة عرفت الدكتور عبد الله النفيسي، الكاتب والأكاديمي والناشط السياسي الكويتي، ولكن يبدو أن صورة الغنى والبذخ الخليجي قد اصطدمت بالذهنية الاشتراكية التي فرضتها علينا طوباويات اليسار الخرافية.
صحيحٌ أنني مشبَّع بالروح الإسلامية التي تفلّتت من الخطاب اليساري، ولكن الجو الثقافي العام في البلدان الاشتراكية في سنوات الستينيات والسبعينيات، كانت تملي ذلك الموقف المسبق من الأنظمة الغنية ومنها بالخصوص دول الخليج، وربما كانت السبب في عدم اكتشافنا للمثقفين الخليجيين بتوجّهاتهم المختلفة.
ومن بين الأمور التي تكلمنا فيها ولم نُنهِها، وكانت آخر ما تكلمنا فيه، موضوع الأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله، فسمعت أو هكذا فهمت من الدكتور الأحمري أن زيدا من الناس ذكر له ما يوحي بأن الأستاذ أحمد توفيق المدني “فيه إنّ”، وبدأت الكلام معه عنه للتعريف به، ولكن لا أدري ما الذي صرفني عنه… وانصرفت ولم أكمل كلامي وعليه أرى من الضروري تسجيل ما أردت قوله هناك، وفاء للرجل وخدمة للأخ الكريم الدكتور محمد الأحمري.
الأستاذ أحمد توفيق المدني [1899-1983]، واحدٌ من رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر ومثقفيها، وهو واحد من أساتذة شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله نفسه، بدأ النضال وهو في العشرينيات من العمر في تونس مع الزعيم عبد العزيز الثعالبي، ولكنه بسبب نشاطه السياسي أبعِد إلى الجزائر التي أنتقل إليها في سنة 1925، أي مع بدايات الحركة الاصلاحية في الجزائر، وصدور أول جريدة إصلاحية، وهي جريدة “المنتقد” التي أصدرها ابن باديس ولم تعمِّر طويلا؛ إذ عُطّلت بعد صدور ثمانية عشر عددا منها، ثم خلفتها جريدة ومجلة “الشهاب” التي لم تتوقف إلا بوفاة صاحبها رحمه الله الشيخ عبد الحميد ابن باديس سنة 1940.
كان المدني من صناع الحركة الثقافية والإصلاحية في الجزائر طيلة وجوده بها منذ 1925 إلى أن توفاه الله، كاتبا ومحاضرا ومسؤولا ومبادرا في الكثير من الجمعيات والنوادي، منها نادي الترقي الذي أسِّس في 1927، والجمعية الخيرية الإسلامية وجمعية العلماء والمدارس التي أسِّست في ثلاثينيات القرن العشرين…
وأهم ما برز فيه الكتابة الصحفية والتأليف، لقد ألّف الكثير من الكتب التاريخية التي تكشف عن شخصية الجزائر وعلاقتها بمحيطها المغاربي والعربي الإسلامي، مثل كتاب “هذه هي الجزائر” الذي ألّفه في سنة 1931 ردا على الاحتفال المئوي على احتلال الجزائر الذي أعلن فيه الفرنسيون أن هذا الاحتفال لـ”تشييع جنازة الاسلام من الجزائر”، وقد وضع على غلافه الشعار الخالد الذي تبنّته جمعية العلماء بعد ذلك وهو “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”. أما الكتابة الصِّحافية فقد كتب الكثير، ولكن ما اشتهر به وتميّز به أيضا الكتابة في القضايا السياسية الدولية، إذ داوم على الكتابة في ركن “منبر السياسة الدولية” في “البصائر” بين 1947/1951، أسبوعيا من دون انقطاع، تغطيةً للأحداث الدولية والتحاليل السياسية لها ولأبعادها، حتى أن الأستاذ سعد الله علّق على هذا العمل، بقوله: قد فاق الشيخَ البشير الإبراهيمي الذي كان يكتب افتتاحيات البصائر، ولكن كان يغلب عليه الطابع الأدبي، بينما المدني كان يغلب عليه التحليل السياسي للأحداث.
أما ما قيل عنه من نقد أو طعن في الرجل وتسرَّب لأخينا الفاضل محمد الأحمري، هو أنه في السنوات الأخيرة من عمره، كتب مذكراته ونشرها بعنوان: “حياة كفاح” في ثلاثة أجزاء متتاليات، الجزء الأول: من النشأة إلى سنة 1925، والجزء الثاني من 1925 إلى 1954، والثالث من 1954 إلى 1962، وهي مذكراتٌ غنية بالمعلومات، ولكنها معلومات خلط فيها المعلومة بالرأي والانطباع والموقف السلبي من بعض قيادات الحركة الوطنية التي يغلب على الكثير منها تواضع المستوى التعليمي… فثارت ثائرة بعض المثقفين ممن عاصروه وهم دونه عمرا وتجربة، ورغم أن لهم دورا نضاليا إصلاحيا وسياسيا وهم من أبناء جمعية العلماء، وأنكروا عليه بعض أقواله ومواقفه وأعطوها أبعادا أخرى، أنا شخصيا لم أجد لها مبررات موضوعية أو صدقية تاريخية، وجُمعت لقاءات وانتقادات القوم ونُشرت في كتاب “تزييف وتحريف في حياة كفاح” باسم الأستاذ المسرحي محمد الطاهر فضلاء، فسألت الشيخ محمد الطاهر تليلي وهو من علماء الجزائر الذين يعرفون الأستاذ المدني، وأظن سألت الدكتور سعد الله أيضا، فقيل لي يومها إنه كتب ردا ولكن المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، التي طبعت كتاب “حياة كفاح”، رفضت نشر الكتاب، وبقي الكتاب ولم يُنشر إلا بعد وفاته وعنوانه “رد أديب على حملة أكاذيب”.
أما المواقع والمهام الدبلوماسية والثقافية والسياسية التي تقلّدها منذ 1956 والتحاقه بقيادة الثورة في القاهرة، فهي مهامّ كبيرة في جولاته ممثلا للثورة في لقاءات مع قيادات كبيرة في العالم العربي والإسلامي. وبعد الاستقلال عُيّن وزيرا للأوقاف، ثم تفرغ بعد ذلك للبحث التاريخي في مركز الدراسات التاريخية.
وللدكتور الأحمري جملة من المؤلفات أهمها: ملامح المستقبل. والحرية والفن عند علي عزت بيجوفتش، وأيام بين شيكاغو وباريس، ومذكرات قارئ، الديموقراطية الجذور وإشكالات التطبيق، ومسؤولية المثقف، عالم والدي… وتكلم عن بعض هذه المؤلفات في برنامج “أسمار وأفكار” المشار إليه آنفا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • مصطفى

    أنا أعرف الدكتور الأحمري منذ 91 قبل ما يرجع إلى أمريكا حيث التقيه عدة مرات و كانت العلاقة جيدا جدا و كنا أنذاك على توافق و كانت له رؤية ثاقبة و لم أر مثله أو أفضل منه إلا شخصين واحد اسمه الدكتور عادل الشويخ و يطلق عليه عادل الليلي و قد توفي في حادث سيارة قبل فترة في كردستان العراق.و الشخص الثاني الذي لم أر مثيلا له هو الدكتور سفر الحوالي أطلق الله صراحه. و لكن مع الأسف الدكتور الأحمري يظهر لي أن في السنوات الأخيرة تغير منهجه كثيرا حيث بدأ التأثر بالمنهج الليبرالي واضحا في فكره. و مع الأسف لم تتح لي الفرصة أن ألتقيه و اسأله لماذا حصل هذا التغير الشبه جذري في فكره.