لماذا لا يلعب المنتخب الوطني بلون دم الشهداء الأحمر؟
أكيد أن اللون الذي يرتديه اللاعب لا معنى له، فالجوهرة البرازيلية “بيلي” لعب بكل ألوان “قوس قزح”، فكان يرتدي الأزرق أو الأحمر أو الأصفر ولكن الإبداع واحد، مثل “ميسي” الذي يُبدع بالأزرق والأبيض الأرجنتيني، والبنفسجي الكتالاني، ولكن بعض المنتخبات وحتى الفرق صارت تضع مختصين في الأزياء وعلم النفس لأجل ضبط اللون الذي تلعب به التشكيلة خاصة في المواجهات المصيرية.
المنتخب الجزائري ليس له من حل سوى أن يدور في الألوان الوطنية الثلاثة وهي الأخضر والأبيض والأحمر. ولكن في السنوات الأخيرة، في عهد رئيس الاتحادية، محمد روراوة، تم التخلي نهائيا عن اللون الأحمر، وصار المنتخب الجزائري يظهر إما بالأبيض أو بالأخضر، حسب لون المنافس، وليس حسب خياره. وتبقى في الذاكرة المباريات الكبيرة التي لعبها المنتخب الجزائري في تاريخه، والألوان التي ظهر بها، ومنها مباراة فرنسا عام 1975 ضمن نهائي ألعاب البحر المتوسط التي دكّ فيها “كاوة” و”بتروني” و”منقلاتي” شباك فرنسا بثلاثية، كانت ملوّنة برقم اللاعب بالأحمر، بينما غيّر الحارس “مهدي سرباح”، الذي تلقى هدفا في كل شوط، لباسه من الأصفر في المرحلة الأولى إلى الأسود في المرحلة الثانية.
“سونيتاكس” منحت المنتخب أقمصة بألوان ثلاثة
مع جيل الثمانينات الذهبي، كانت مؤسسة “سونيتاكس” قد وضعت بصمتها وسوقت لنفسها الماركة الجزائرية، فزودت رفقاء ماجر بألبسة كاملة وألبسة رياضية، وبعد التأهل إلى كأس العالم 1982 واجهت الجزائر ألمانيا الغربية باللباس الأخضر، لأن رفقاء رومينيغي لعبوا بالأبيض، وجعلت في البدلة شريطا أبيض، مع جوارب حمراء اللون، بينما تميز الحارس سرباح بقميص أحمر وتبان أسود، ثم غيرت في اللقاء الموالي اللباس إلى الأبيض ضد النمسا بشريط أخضر، وخسرت المواجهة لتكمل المقابلة الثالثة بالأبيض ضد الشيلي وتفوز، مما يعني أن اللون لم يكن له أي تأثير نفسي على اللاعبين ولا حتى على جمهور الكرة الذي لم يكن يتبع الخزعبلات، التي ظهرت في السنوات الأخيرة عندما صار يتدخل مشعوذون لاقتراح لون الفأل على المنتخب الجزائري الذي هو في حاجة إلى تحضير حقيقي وليس إلى لون قميص معين لأجل الانتصار.
ولا تكاد ذاكرة الجزائريين تحتفظ بصورة للمنتخب الوطني باللون الأحمر، حيث مرّت كل المباريات التحضيرية لموعد إسبانيا بين الأبيض والأخضر، باستثناء مواجهة الفريق البرازيلي أتليتيكو مينيرو التي ارتدى فيها الخضر الألوان الحمراء، بينما واجهوا بنفيكا والبيرو وريال مدريد باللون الأخضر، وعادوا في مواجهة إيرلندا الجنوبية إلى الأحمر، حيث سجل عصاد ثم ماجر في شباك الإيرلنديين وهما يرتديان اللون الأحمر بالكامل.
وفي كأس العالم عام 1986 فاجأ المنتخب الجزائري في لقائه الافتتاحي ضد إيرلندا الشمالية مناصريه بلباس بالكامل بالأحمر، وهي أول وآخر مرة يلعب فيها الخضر مقابلة ضمن منافسة كأس العالم بالأحمر، وتعادلوا بهدف في كل شبكة وسجل الهدف الوحيد اللاعب جمال زيدان من مخالفة مباشرة، ليغير المنتخب الوطني لونه إلى الأبيض ضد البرازيل ويسقط بهدف وحيد في الدقائق الأخيرة، في الوقت الذي لعب البرازيليون بلباسهم الشهير بقميص أصفر وتبان أزرق، وفي اللقاء الثالث ضد إسبانيا تواصل ظهور المنتخب الوطني باللون الأبيض وكانت الغلبة لأصحاب اللونين الأزرق والأحمر إسبانيا بثلاثية نظيفة.
أما في المونديال الأخير عام 2010 في جنوب إفريقيا، فإن الخضر على مدار التصفيات ولقاء الفصل الشهير في أم درمان وكأسي إفريقيا للأمم والعالم، أزاحوا اللون الأحمر نهائيا من مفكرتهم، وبقوا بين اللونين الأخضر أو الأبيض بالكامل، وليس مناصفة كما تفعل بعض المنتخبات ومنها بطل أوروبا والعالم إسبانيا، فكانت المواجهة الأولى ضد منتخب رواندا بلباس أبيض، وانتهت بالتعادل السلبي، وأنهوا المغامرة المونديالية في أم درمان بالأبيض أيضا وهدف من عنتر يحيى في شباك منتخب مصري اختار اللونين الأحمر والأسود. ومن هنا حاول بعض الجزائريين إدخال خزعبلات اللون في الأداء وظنوا أن الأبيض هو فأل خير على رفقاء كريم زياني، الذين باشروا مباريات كأس العالم ضد سلوفينيا وهم يرتدون الأبيض حيث طُرد عبد القادر غزال وهو يرتديه، في الوقت الذي فاز عليهم المنتخب السلوفيني مرتديا الأخضر، وفي المواجهة الثانية ضد إنجلترا عاد الخضر إلى اللون الأخضر، وتركوا الأبيض لإنجلترا وخرجا متعادلين، ليواصل الخضر ضد أمريكا باللباس الأخضر تاركين الأبيض للأمريكيين الفائزين في اللحظات الأخيرة. أما شاوشي، المتسبب في الخسارة ضد سلوفينيا، فارتدى اللون الأزرق، وارتدى مبولحي في اللقاءين الأخيرين اللون البنفسجي، وتبقى الملاحظة أن المنتخب الجزائري يرتدي الأخضر الفاتح فقط.
منتخبات كبيرة لا تلعب بألوان أعلامها
لا تجد منتخبات كبيرة من صانعي الحدث الكروي والرياضي عموما، أي حرج في اللعب بألوان ليست ألوان العلم الوطني ومنها إيطاليا على وجه التحديد، فمعلوم أن لون العلم الإيطالي هو بين الأخضر والأحمر والأبيض، ولكن المنتخب الإيطالي اشتهر بلقب الأزرق، ونادرا ما يلعب بالأبيض، ويرمز الأزرق للون العائلة المالكة في إيطاليا بين سنتي 1861 و 1946 وهي الفترة التي تكوّن فيها المنتخب الإيطالي، وحصل الإيطاليون على كؤوسهم الأربع بهذا اللون، كما يلعب المنتخب الألماني باللون الأبيض الذي يرمز للون الإمبراطورية الألمانية السابقة المعروفة باسم بروسيا عام 1900 في عز هذه الإمبراطورية. ويلجأ الهولنديون إلى اللون البرتقالي تكريما للعائلة المالكة، رغم أن علم هولندا لا لون برتقالي فيه، ولكن بعض النفسانيين وحتى مختصين في عروض الأزياء شجعوا على اللعب بالبرتقالي، لأن الفريق يبدو مسيطرا على أرضية الميدان وحتى جمهوره يبدو غفيرا في المدرجات. وفي الألوان أيضا بعض السياسة، فالمنتخب الألماني يرتدي أحيانا اللون الأخضر لتحية الإيرلنديين الذين استقبلوا ألمانيا لأجل مباراة ودية عام 1951، بعد الحصار الذي كان مضروبا على ألمانيا، فقدم الألمان شكرهم الذي جعلهم يحصلون على كأس العالم بألوان إيرلندية خضراء، مع الإشارة إلى أن المدرب الألماني يورغن كلينسمان الذي قاد المنتخب في كأس العالم 2006 طالب بلباس أحمر، ولكن لا أحد استجاب له. أما اليابان فإن قصتها مع اللون الأزرق الذي لا يمثل العلم الياباني فلا علاقة لها بالعائلة المالكة، وإنما لأن اليابانيين آمنوا بأن تغيير اللون هو الذي سيغيّر النتائج، وصاروا يتأهلون إلى كأس العالم كما فعلوا في تأهلهم إلى مونديال البرازيل باللون الأزرق الذي لا علاقة له بلون العلم الياباني.
ولمختلف الفرق في العالم ألوان بعضها مختار بدقة كما فعل الشيخ بن باديس عام 1939 عندما اختار لمولودية قسنطينة بنفسه اللون الأبيض مع أرقام بالأزرق، وكان نادي جوفنتوس يلعب باللون الوردي والتبان الأسود، ولكن المطر أخلط الألوان، وهو ما جعل أحد مناصري النادي من نوتنغهام الإنجليزي، يرسل إلى فريقه المفضل لباسا بين الأبيض والأسود صار الفريق العجوز، وفيا له إلى غاية اليوم، وحقق به أشهر بطولاته الأوروبية، وتقمصه كبار نجوم اللعبة ومنهم بلاتيني وزيدان.
بعض المنتخبات الكروية ترى اللعب بألوان البلاد غير لائق لأن المنتخب قد يكون معرضا لخسائر مذلة بألوان العلم، وبعض اللاعبين قد يمرغون العلم في التراب، ويقومون بحركات مسيئة إليه، لأجل ذلك تجنبوا ارتداءه.