لماذا نصوم؟
هو سؤال حقيقٌ بنا أن نطرحه بكلّ إلحاح ونجيب عنه بكلّ اهتمام، ليس فقط في ثنايا الدروس والخطب التي يقدّمها أئمّة المساجد في ليالي رمضان، ولكن –كذلك- في البيوت والمدارس، وحتى في الأسواق والإدارات والمؤسّسات. لأنّ تعاملنا المستنسخ كلّ عام مع الشّهر الفضيل يدلّ على أنّنا أهملنا الإجابة عن هذا السؤال الجوهريّ، وأضعنا الحكمة من فرض الصيام في رمضان، فلم نعد نبحث عنها في قلوبنا وجوارحنا وفي أعمالنا وأحوالنا، واستعضنا عنها بالصورة الظّاهرة للصيام وما يترتّب عنها من إغراق –حدّ الوسواس أحيانا- في البحث والحديث عن المسائل المتعلقة بالمفطرات الحسية!
في البيوت وعلى مستوى الأسر، تجد الوالدين يهتمّان ببلوغ أبنائهما ويحرصان على أن يؤدّي البالغون منهم فرض الصيام الظّاهر، من دون أن يكون لهما كبير اهتمام بدِين أولئك الأبناء وأخلاقهم، ومن دون أن يكون لديهما اهتمام بلفت اهتمامهم إلى معاني الصيام، حتى ما عاد غريبا في مجتمعنا أن تجد أبا يسأل بكلّ اهتمام وإلحاح إن كان الصيام قد وجب على ابنه، قبل أن يأمره بالصّلاة ويهتمّ بانتظامه فيها ومحافظته عليها! وحتى أصبح الغالب من الأبناء الذين أشرفوا على البلوغ ينظر إلى الصيام على أنّه تكليف مرهق وحرمان لا معنى له، وقد رأينا من أبنائنا من إذا أخبره إمام المسجد أنّ الصيام أصبح واجبا عليه، تولّى وعينه تكاد تدمع من هول الداهية التي نزلت به! لأنّه قد دُفع دفعا من قبل والديه ليسأل الإمام، من دون أن يسمع في البيت أيّ كلام عن أهمية الصيام وحاجة القلب والروح والجسم إليه، وأفضل هؤلاء الأبناء حالا من يتعلّم شيئا عن فوائد الصيام الصحية، لكنّه لا يعبأ بتلك الفوائد ولا يرى لها كبير فائدة في خضمّ طغيان فكرة الاهتمام بـ”الألذّ” على حساب “الأنفع”، على سلوك الجيل الجديد؛ فالطّفل المعاصر لا يهمّه أن يحافظ على صحته بقدر ما يهمّه أن يلبّي رغبته… ومن الأبناء من يتعلّم في البيت ومن بعض المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل أنّ الصيام إنّما هو لأجل أن نستشعر جوع الفقراء وحاجتهم؛ فتقول له نفسه: ألم يكن كافيا أن نصوم يومين أو ثلاثا أو حتى أسبوعا لنشعر بحاجة الفقراء؛ ما الدّاعي لصيام شهر كامل من دون انقطاع؟!
إنّنا نخطئ كثيرا حينما نربّي أبناءنا على أن يبحثوا عن الآثار الدنيوية للصيام، قبل أن نربيهم على أنّ الصيام إنّما هو في الأساس طاعة للرحمن الذي خلقنا لنعبده ونطيع أمره، وأنّه –سبحانه- أنزلنا إلى هذه الأرض وقضى بأن تكون دار نقص يكابد فيها العبد ببدنه، وعينُه على داره الأصلية في الجنّة حيث الرّاحة التي لا يشوبها تعب والسّعادة التي لا ينغّصها كدر… الطّفل قبل أن يتعلّم أنّ الصيام مفيد للصحة وأنّه يذكّرنا بجوع الفقراء، ينبغي له أن يتعلّم أنّ الجنّة تَفتح أبوابها في أول ليلة من رمضان وتتزين لعباد الله المؤمنين وتدعوهم للعودة إليها، ويتعلّموا أنّ الصيام إنّما شرع لنتقي الله ونخافه بالغيب ونستشعر رقابته في كلّ وقت وفي كلّ مكان، وهذه التقوى هي التي بها صلاح دنيانا وآخرتنا، ويتعلّموا –كذلك- أنّ الأرواح تجوع كما تجوع الأجسام، وأنّ غذاءها يكون بما يقوّي صلتها بخالقها ويربطها بمنتهاها ومستقرّها بعد أن تتخلّص من هذا الجسد الترابي، والعبد إذا تفانى في إشباع شهوات الجسد الترابي الدنيويّ على حساب مطالب الروح، فإنّ روحه تثقل وتبأس وتصبح وتمسي كأنّها في سجن ضيّق… ورمضان يعود في كلّ عام ليذكّرنا بحقيقة أن السّعادة الحقيقية إنّما هي في الاهتمام بما يشبع الرّوح من طاعات وقربات، وأنّ حرمان الأجساد من بعض شهواتها ولو لبعض الوقت، من أعظم الأسباب التي تطلق الأرواح من سجونها.
في شوارعنا وأسواقنا، نلحظ في كلّ يوم من أيام رمضان، ما يعطينا الدّليل تلو الآخر على أنّ الحكمة من فرض الصيام هي الغائب الأكبر عن يومياتنا؛ فاللهث خلف المطاعم والمشارب حدّ التبذير أصبح وصفا عاما للمسلمين في شهر رمضان، إلا من رحم الله منهم، وكأنّهم -بلسان حالهم- يريدون الانتقام بالليل من حرمان النّهار، ويعتذرون لأجسادهم بعد المغرب لما اجترحوه في حقها قبله! ليكون حصادهم في النهاية بطونا منتفخة وأجسادا متعبة، لنرى بعد ذلك مظاهر التأفف من طول صلاة التراويح ومن دروس التذكير التي تسبقها!
وفي الطّرقات، نرى الخصومات تزداد حدّتها في أيام رمضان، خاصّة في ساعات المساء، وكأنّنا نصوم كرها ونعذّب أنفسنا وندسّيها بالصيام، بدل أن نزكيها به ونكبح جماحها ونجاهدها على كظم الغيظ والعفو عن النّاس!
وفي الإدارات وأماكن العمل، نلحظ الغيابات التي لا مبرر لها سوى “السّهر”، ونرى الكسل والتمايل والتثاؤب والتعلل والتهرب من أداء الأعمال الموكلة، بل ونرى في كثير من الأحيان وجوها متجهّمة وألسنة مستعدّة للجدال والخصام!
إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نعيد حساباتنا ونراجع علاقتنا برمضان وبالصيام، لنحيي في قلوبنا وأنفسنا وفي واقعنا الحكمة التي لأجلها فرض صيام رمضان وسنّ قيامه، وإلاّ فإنّ رمضان سيظلّ شاهدا علينا، يشكو حالنا معه إلى الله.