لماذا يخشى الاحتلال المغربي بناء جامعة في العيون أو الداخلة؟
يُمثّل ملف التعليم العالي في الصحراء الغربية المحتلة أحد أكثر النماذج حيرة وإثارة للجدل عند التفكير في السياسات التنموية والإدارية التي اعتمدتها المملكة المغربية في الإقليم منذ احتلاله عام 1975، إذ يُطرَح سؤالٌ استنكاري وجوهري في الوقت ذاته، يتجاوز مجرد تقييم البنية التحتية: كيف لإدارةٍ تدّعي فرض سيادتها الكاملة وتسعى إلى دمج المنطقة نهائيا ضمن نسجها الترابي أن تعجز –أو تتفادى– بناء جامعة قائمة بذاتها ومكتملة الأركان بعد أزيد من نصف قرن من السيطرة الميدانية، حسب قول المخزن؟
إن المتأمل في الواقع التعليمي للجزء المحتل من الصحراء الغربية، يُدرك سريعا أن غياب جامعة، تضم مختلف التخصصات العلمية والأدبية والإنسانية في مدن كبرى صحراوية كالعيون أو الداخلة ليس مجرد تعثُّر لوجستي، ولا يُمكن إرجاعه لقلة الإمكانات المالية أو ضعف الكثافة السكانية، بل هو خيارٌ استراتيجي وسياسي مدروس بعناية. يتأرجح هذا الخيار بين هاجس أمني صارم يخشى تحوُّل الحرم الجامعي في قلب الإقليم المحتل إلى بؤرة للتكتل الطلابي والوعي السياسي والحراك الاحتجاجي الصلب، وبين سياسة إدماج ناعمة تهدف إلى تشتيت الكتلة الطلابية الصحراوية وإجبار الأجيال الصاعدة على الانتقال مئات الكيلومترات نحو الشمال، لإذابتهم في الفضاءات الجامعية للمملكة المغربية كأكادير ومراكش والرباط والدار البيضاء.
وهكذا، يظل التعليم العالي في الصحراء الغربية المحتلة، مجزَّءا ومحظورا في مجرد “ملحقات صغرى” وتخصصات تقنية بسيطة، مما يجعل هذه القضية تجسيدا حيا للمقاربة الأمنية التي تقدم الضبط والرعاية الحذرة على حق الساكنة المحلية في مؤسسة أكاديمية سيادية وشاملة تعكس استقرار المنطقة واستقلالها العلمي.
إن المتأمل في هذه الديناميكية يتبيّن له أن المقاربة المعتمدة لا تنظر إلى الساكنة المحلية بصفتها مجتمعا أصيلا يمتلك الحق في تقرير مصيره والاستفادة المباشرة والكاملة من ثروات أرضه، بل تتجمّد عند رؤية سلطوية تهدف إلى إعادة تشكيل هويته وتفكيك بنيته المجتمعية.
غياب جامعة تضم مختلف التخصصات العلمية والأدبية والإنسانية في مدن كبرى صحراوية كالعيون أو الداخلة هو خيارٌ استراتيجي وسياسي مدروس بعناية، يتأرجح بين هاجس أمني صارم يخشى تحوُّل الحرم الجامعي في قلب الإقليم المحتل إلى بؤرة للتكتل الطلابي والوعي السياسي والحراك الاحتجاجي الصلب، وبين سياسة إدماج ناعمة تهدف إلى تشتيت الكتلة الطلابية الصحراوية وإجبار الأجيال الصاعدة على الانتقال مئات الكيلومترات نحو الشمال، لإذابتهم في الفضاءات الجامعية للمملكة المغربية كأكادير ومراكش والرباط والدار البيضاء.
وتتجلى هذه السياسة في تحويل الساكنة من شعب له حقوق سياسية واقتصادية وسيادية إلى “رعايا” يدورون في فلك المنظومة المخزنية، إذ يُستبدل الحق السياسي بالرعاية المشروطة والولاء الإداري والديني، وتُجرَّد المنطقة من إمكانية التطور الذاتي لمنع تشكل أي وعي جمعي مؤطر. وهكذا، تصبح السيطرة على الثروات وتوجيه مداخيلها نحو شبكات المصالح النافذة هو الموجِّه الأساسي للوجود الإداري، على حساب الحقوق الأساسية والتنمية البشرية الشاملة لشباب المنطقة وأبنائها.
وتُمثّل تجربة الحركة الطلابية الصحراوية داخل جامعات المملكة المغربية إحدى أبرز المفارقات السياسية والأكاديمية في تاريخ النزاع حول الصحراء الغربية؛ ففي الوقت الذي اتجهت فيه السياسات الإدارية المغربية نحو تحاشي بناء جامعـة شمولية ومستقلة داخل مدن الإقليم لعرقلة أي تكتل شبابي أو وعي سياسي محلي، أدى خيار تهجير الطلبة القسري ومغادرتهم نحو المعاقل الجامعية الكبرى في الشمال كأكادير، ومراكش، والرباط، والدار البيضاء، إلى نتيجة عكسية تماما؛ فقد تحوّلت هذه المركّبات الجامعية، رغما عن البُعد الجغرافي والقبضة الأمنية، إلى حاضنات ومُحشّدات حقيقية للفكر التحرري الصحراوي، وساحات مفتوحة للمواجهة السياسية والإيديولوجية المباشرة مع السلطة المخزنية.
وبدلا من الاستيعاب والإذابة الثقافية في الفضاء الشمالي، وجد الطلبة الصحراويون في الظروف الاجتماعية المشتركة والشتات الأكاديمي دافعا لإعادة تنظيم أنفسهم في تكتلات وازنة تُعرف بـ”المواقع الجامعية” أو “الفصيل الطلابي الصحراوي”، موالين بوضوح وأصالة للأدبيات السياسية لجبهة الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو). وعلى مدار عقود من الزمن شهدت محطات نضالية بارزة، بداية من تأسيس حركة الوالي المصطفى السيد ومرورا باتحادات الطلبة واللجان الوطنية داخل أحياء السكن الجامعي، وخاض هؤلاء الشباب نضالات نقابية وسياسية محتدمة شملت تنظيم “الأيام الثقافية الإعلامية” لرفع العلم الصحراوي والتعريف بالقضية، وقيادة الإضرابات الطلابية، والتضامن مع المعتقلين السياسيين كمعتقلي “رفاق الوالي” ومجموعة “أكديم إزيك”، ليُثبت هذا الحراك متواصل الأجيال أن حظر المؤسسة الأكاديمية بالداخل لم يزد الوعي التحرري الصحراوي إلا اتساعا وتجذرا في قلب الجامعات المغربية نفسها.
وتُمثّل المسألة التعليمية ونسب الدراسة في الصحراء الغربية أحد أبرز المؤشرات والدلائل الاجتماعية التي تعكس التباين الصارخ بين فلسفتين وإدارتين مختلفتين في إدارة العنصر البشري؛ إذ تبرز المجموعات السكانية الصحراوية مقسَّمة بين واقعين جغرافيين وسياسيين يختزلان مفارقة بنيوية عميقة في تقييم الإنسان ومحو أميته.
من جهة، تُسجِّل المناطق التي هي تحت الاحتلال المغربي (غرب الجدار) نِسب أمية مرتفعة نسبيا تتراوح بين 18% و24% إجمالا، وتتفاقم بشكل لافت في الأقاليم النائية والمجتمعات القروية لتتجاوز 30%، وهو ما يراه المحللون والنشطاء نتيجة طبيعية لمقاربة إدارية ورّثت تهميشا تاريخيا، وركّزت على الاستثمار في الموارد والمنشآت الاقتصادية الموجَّهة لنزع واستنزاف الخيرات الطبيعية للأرض، على حساب التنمية البشرية الشاملة وبناء العقول، ناهيك عن تعطيل إنشاء مؤسسات تعليمية متكاملة وجامعات مستقلة بالداخل.
وفي المقابل، تُسجِّل مخيمات اللاجئين الصحراويين والمناطق المحرَّرة (شرق الجدار) طفرة تعليمية استثنائية بنسب أمية منخفضة لا تتعدى 5% إلى 10%، أي بنسبة دراسة تتجاوز 90%، في تجربة فريدة لمجتمع هُجِّر من أرضه وعاش ظروف اللجوء والشتات، لكنه جعل من معركة محو الأمية والتعليم الإجباري الشامل ركيزة محورية في عقيدته وسياساته الاجتماعية والسياسية منذ سبعينيات القرن الماضي. إن هذه المقارنة بين واقع يغلب عليه التهميش والضبط الإداري، وواقع آخر جعل من القضاء على الأمية سلاحا للصمود والوعي التحرري، تشهد على أن بناء الإنسان وتنويره ظلّ حكرا على إرادة سياسية آمنت بالتعليم كحق أصيل ورمز للمقاومة والبقاء.
كما تُمثّل تحولات التاريخ الإنساني وسباق التنمية البشرية بين الأمم حقيقة ساطعة تؤكد أن الاستثمار في عقول الشعوب وتنويرها هو الرهان الوحيد الذي لا يندثر، وأن أدوات الهيمنة والتهميش مرحلية ومهزومة لا محالة أمام إرادة الشعوب التائقة للحرية والاستقلال. وتبرز تجربة الدولة الجزائرية المستقلة كشاهد حي على هذا التحول الحضري؛ فبعد عقود من الاستعمار الاستيطاني الذي سعى لتجهيل شعبها وحرمانه من العلم، استطاعت الجزائر من خلال ثورة تعليمية شاملة أن تبني شبكة جامعية وطنية كبرى، لم تكتفِ بتغطية الاحتياجات الوطنية، بل باتت اليوم تُصادر وتُصدر خيرة الكفاءات العلمية العالية، من أطباء يتصدرون كبريات المستشفيات عبر العالم وخاصة الفرنسية منها، وأساتذة وباحثين يرفدون مراكز البحث والجامعات الفرنسية بالأفكار والعلوم، في مفارقة تاريخية جعلت المستعمِر الأسبق معتمدا على عقول مَن حاول تجهيلهم بالأمس.
وعلى النهج والديناميكية ذاتها، تتطلع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية إلى رسم معالم مستقبلها الأكاديمي والسيادي غداة استكمال استقلالها القريب، وبسط سيادتها على كامل أراضيها. إن الرؤية الوطنية الصحراوية التي جعلت من محو الأمية والتعليم حجر الزاوية في تجربة اللجوء والتأطير رغم ظروف الشتات، تُعدّ العدة لبناء منظومة تعليم عالٍ طموحة، تتمثل في تأسيس صروح جامعية وأقطاب علمية متخصصة تغطي معظم المدن والحواضر الصحراوية كالعيون والداخلة والسمارة. ولن تكون هذه الجامعات المستقبلية مجرد مؤسسات للتعليم الأكاديمي، بل ستتحول إلى مراكز إشعاع علمي وتدريب طبي وهندسي رفيع المستوى، يفيض بخرّيجيه وكفاءاته ليساهم في نهضة بلده ومحيطه.