الأحد 18 نوفمبر 2018 م, الموافق لـ 10 ربيع الأول 1440 هـ آخر تحديث 22:24
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

بقلمآسيا جعفر

ما هو أصلك؟

  • ---
  • 10
ح.م

أتذكر جيدا يومها كنت في قاعة المحاضرة بالجامعة، فسألتني طالبة بجواري سؤالا محيرا: أأنت شاوية ؟ تسأل عن أصلي.. ذُهلت للسؤال وقلت نعم..  سعدت بردي وراحت تخبرني عن التقاليد التي تجمعنا..

وفي يوم مشابه لهذا ركبت سيارة أجرة، كان شيخا قد شارك في ثورة 1973 بمصر فقَصّ علي الأحداث وكيف أنه نجا من الموت بأعجوبة وقت كان الرصاص يخترق كل شيء، فلا أدري كيف في جزء من الثانية سألني سؤالا خارج الموضوع “أأنت قبائلية الأصل يا ابنتي؟”، كان مُصمّما على المعرفة فأومأت بالإيجاب ثم قلت “يا عم الأهم أننا مسلمون، أعتبر نفسي فتاة  جزائرية من طينة ممزوجة بأتربة هذه الأرض الطاهرة فأنا عثمانية قبائلية شاوية ترقية عربية مسلمة.

قال بتوتر لكــن لكل واحد أصله ولا داعي للخجل.. لم يكن الخجل همي، بل هذا السؤال المطروح في كل مرة بشكل مباغت في المدرسة أو حفلات الزواج أو حتى في أي قاعة انتظار.. ما هو أصلك؟ من أين أنت؟ أأنت من الشرق، الغرب.. من الشمال أو الجنوب، أأنت عربية أم بربرية…الخ

كنت دائمة التهرب من الإجابة لاعتباري أنه سؤال عنصري، فما إن يعرف الشخص السائل حتى يبدأ التباهي بعادات أصله وتقاليده  وما إلى ذلك من التفاصيل ونقاط الاشتراك والاختلاف ولو كنت من قبيلة مغايرة قد يبدي النفور فتظهر العصبية التي تسيطر على  النفس البشرية  وكأن الغريزة الجاهلية مطبوعة داخلنا حتى نميل إلى أصل ذاك وننفر من الآخر لأن كلاما سيئا مشحونا من أحدهم أضرم نار الحقد بين الأجداد فافترق الجمعان وأصبح ذاك أصلا والآخر أصلا  وهما  في الأصل واحد..

يحدث هذا، ليس فقط في وطني بل نجده في جميع المغرب العربي وحتى المشرق، وفي كل البلدان حتى أن النيويوركيين يعايرون أهل تكساس برعاة البقر.. نسأل عن الأصل ونتفاخر به وفي الحقيقة ليس إنجازا شخصيا ولا نجاحا فرديا بحد ذاته أن تنتمي إلى منطقة أو بلد معيــن فلا أحد يختار أصله وفصله و لا حتى جيناته التي تُكونه بل هو رزق وقدر لا غير..

كون أن الإسلام ديننا نحسب أننا بعيدون كل البعد عن هذه العنصرية الفتاكة، فكما توجد  العنصرية القبلية التي تكبر فتصبح عنصرية جهوية بين الولايات لتتسع أكثر فتشمل الإقليـــم فكل واحد يتغنى بوطنه ويمجد رموز دولته ويفتخر بلهجته وتاريخه، كأن لا وجود لدولة غيرها على الأرض فترى المواطــن يسب ويشتم أخاه من دولة أخرى لأسباب تافهة فقط لفارق الحدود الوهمية بين البلدين، يتقاذفان، يتعايران فتتسع دائرة الحقد، هكذا خطط الكفار للنيل من المسلميــن ففكرو إلى أن وجدو حلا لتشتيتنا وهو حدود الدول والأوطان، العرق، الأصل، الطائفيــة وما إلى ذلك، فانجرفنا ولازلنا ننجرف حتى نبقى في قاع البئر نتشاجر ولا نتطلع إلى ما هو أهم من هذا وهو الاتحاد لأن فيه قوة..

نستشيط غضبا لو تكلم غريب عن بلدنا على مواقع التواصل الاجتماعي أو أحرق أحدهم رايتنا وكأنها رمز الكرامة التي لا ينبغي أن يلطخها إنسان لكــن إن ألقينا نظرة على حال المجتمع من الداخل نرى أنفسنا نسب بعضنا البعض ونشتم لا نفقه مصطلح “الآخر” ولا نتقبله، نتعصب لكل من لديه رأي أو فكرة أو حتى توجه مخالف لنــا..

يأخذنا الفخر والعزة بأنفسنا، بما نملك وحتى ما لا نملك، نتعاير حتى بين الجنسيــن، كونكِ امرأة أو كونكَ رجلا مشكلة سال فيها الحبر الكثير وكل واحد منا يحاول إقناع العالم من الأحسن والأكثر قوامة وقوة وذكاء ننسى أن كل واحد منا يكمل الآخر في كل شيء. أو على سبيل المثال تلك الفئة الذيــن يتكلمون عن مساوئ المرأة الجزائريــة ويتغنون بالمرأة الأوروبية، وتلك النسوة اللاتي تضعن جميع رجال الجزائر في كفة واحدة؟ فندخل في عراك القبلية القديمة وحرية المرأة  وما إلى ذلك من المواضيع العقيمة.

أو في الرياضة مثلا أين أصبحت الملاعب أماكن لحصد الأرواح وليس للفرجة فإن كنت مشجعا لنادٍ وطني غير آخر  حدثت الطامة حتى وإن كنت  برشلوني والآخر مدريدي مشكلة رغم أنهما فريقين من قارة أخرى. في الجامعة  تجد طالب تخصص ما يحتقر الثاني ويقلل من قيمته العلمية والمعرفية فينتفخ فخرا وتكبرا  والثاني يحتقر الثالث، وهكذا إلى أن تكبر سلسلة الاحتقار فلا نجد لها نهاية، وحال التخصص كحال التديــن فالمتبرجة تحتقر المتحجبة تظن أنها مسكينة تخضع لاضطهاد أهلها  المتعصبين والمتجلببة تحتقر المتبرجة تظــن أنها في ظلال كبير تُظهر مفاتنها عَمَدا لنشر الرذيلة.

سوء الظن ممزوج بالافتخار في غير موضعه خلق الاحتقار فتفاقم الوضع ولم يجدوا حلا فتركوا الأمور على حالها لتنفجر القنبلة الصامتة في المجتمع التي تسمى العنصرية، الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى في جميع المواقف، ألا يعتبر هذا تمييزا حديثا في عصرنا الواحد والعشريــن؟ ننهش لحوم بعضنا بالنميمة والغيبة لعدم تقبلنا للآخر بإيجابياته وسلبيــاته ونعيب بلدنا ونظامه وكل أسسه ونسينا أن التغيير يبدأ منا.

تطورنا، رقينا، اعتلاؤنا سلم النجاح مرهون بتقبلنا للآخر كما هو سواء كان جزائريا، موريطانيا، مغربيــا، تونسيا، ليبيــا، مصريــا، سعوديــا، حتى وإن كان أعجميا غير عربي المهم أنه مسلم، لكــن هل بإمكاننا تقبل الغير حتى وإن كان مخالفا لديانتنا؟ فنحميــه ونتقبله لإنسانيتنا؟  قد نحسب بعقل منغلق أن الاختلاف نقمــة غير مقبولة، لكـن لو تأملنــا ولاحظنا دول العالم المتقدم الذيــن تقبلوا الجميــع رغم اختلاف ديانتهم وعرقهم ووحدو قواهم لهدف واحد وحيد وهو التطور والرقي، ألم تتحد أوروبا؟رغم اختلاف الأصول والألسنة والعادات وكثرة الحروب والمشاحنات!!  بل إن  نقاط الاختلاف أصلا هي قوة لنا، حتى في علم الأحيــاء يعتبر التنوع الجيني والوراثي ذخرا للطبيعة وكنزا ثميــنا في غاية الأهميــة.

https://goo.gl/ako6op
الأصل العصبية القبلية مدونات الشروق أونلاين
10 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • SAMIR

    بارك الله فيك و في امثالك

  • مراد هاشم

    واقع نعيشه في حياتنا اليومية . نشكر كاتب المقال على اختياره هذا الموضوع الحساس و استخدامه لاسلوب سهل بكلمات بسيطة.

  • عادل الورجلاني

    شكرا جزيلا لك، مقال رائع لامس كبد الحقيقة المسكوت عنها؛ وازيدك من الشعر بيتا: وزير الداخلية قال بان توحيد ترقيم السيارات المزمع الشروع فيه ابتداء من شهر سبتمبر 2018 سيحد من الممارسات الجهوية!!!

  • عبدو

    نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فاذا ابتغينا العزة في غيره اذلنا الله

  • كريم

    إنها متلازمة المهانة

  • adrari

    ليس رجلا وليس جزائريا من يحشم بولايته او اصله فلا يوجد اصل افضل من اصل المشكل في الذين يحاربون كل ما هو عربي واسلامي

  • mouloud

    je suis d’accord sur le fait qu’on doit pas chercher les origines de l’autre, mais vous tombez dans le même piège du racisme religieux, car il est claire que vous assimilez et classiez les gens par leur religion.donc d’un côté vous êtes contre le racisme ,de l’autre vous le partiquez sans le savoir.car l’homme doit être traiter sans distinction d’orgines,ni de race, ni de religion, si les 3 élèments ne se réunissent pas en vous c’est que êtes vraiment raciste.mais vous ne pouvez pas le reconnaitre car le racisme religieux est le plus pire donc le plus destructeur des logiques

  • L humanite

    bien dit surtout le fait d accepter tt les religions c est ce qui ns manque et on doit change cette mentalite ,,vraiment chapeau a l auteur de l article
    “لكــن هل بإمكاننا تقبل الغير حتى وإن كان مخالفا لديانتنا؟ فنحميــه ونتقبله لإنسانيتنا؟ قد نحسب بعقل منغلق أن الاختلاف نقمــة غير مقبولة، لكـن لو تأملنــا ولاحظنا دول العالم المتقدم الذيــن تقبلوا الجميــع رغم اختلاف ديانتهم وعرقهم ووحدو قواهم لهدف واحد وحيد وهو التطور والرقي، ألم تتحد أوروبا؟رغم اختلاف الأصول والألسنة والعادات وكثرة الحروب والمشاحنات!! “

  • جلال

    الإسلام ليس قومية أو هوية وإنما هو دين للعالمين لمعرفة الله وإتباع سبيله والله نفسه يقول(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) فلا يمكن القول أنا مسلم كهويةوكفى فهل أنا مثلا أمريكي أو ياباني حيث هناك المسلم الأمريكي والياباني. إن هذا الفهم الخاطئ للإسلام يتداول في كتب وأقوال ما يسمى بالفقهاء والدعاة وقد انبنت عليه توجهات طائفية وعنصرية بغيضة وفهم ضيق ومحلي للإسلام

  • Amargentil

    Mais vous êtes entrain de classer les gens dans la colonne des musulmans et vous qualifiez le maghbreb d ‘arabe!!!!!!!!!!!!!!!!! Quelle belle contradiction. Nous avons des courgettes dans nos têtes.

close
close