-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محبّة الله أصلُ كلّ خير

سلطان بركاني
  • 735
  • 0
محبّة الله أصلُ كلّ خير

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- عن محبّة الله جلّ وعلا: “هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظمَ من ألم العينِ إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنفِ إذا فقد شمّه، واللسان إذا فقد نُطْقَه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ، أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح. وهذا الأمر لا يصدِّق به إلا من فيه حياةٌ، وما لِجُرْحٍ بميّت إيلام” (الجواب الكافي).

هذه الكلمات الرقراقة، ربّما تكون كلاما مجرّدا عند أمثالنا من المقصّرين الذين يظنّون العلاقة بالخالق لا تعدو أن تكون طاعات تؤدّى ومعاصٍ تترك خوفا من العقاب، ولكنّها عند أولئك الذين وجدوا حلاوة الإيمان كلماتٌ تلامس شغاف القلب وتنير الدّرب، فامتلاءُ القلب بمحبّة الله وإجلالِه والخوف منه وتعظيمه، جنّة وسعادة في الدّنيا، ومقام عال رفيع في الآخرة.. والسّعادة المؤقّتة التي ينالها العبد بتحصيل الشّهادة التي تعب لأجلها، أو الظّفر بالزّوجة التي حلم بها، أو جمع المال الذي تلهّف قلبه إليه، أو اقتناء السيارة التي تمنّاها… كلّ هذه لا تساوي شيئا أمام سعادة القلب وأنسه بمحبّة الله، بل إنّ هذا المخلوق العجيب “لا يَسُدُّ خلَّتَه ولا يشبعُ جوعته إلا أن يمتلئ بمحبة ربه سبحانه، وبالإقبال عليه عز وجل، ولو حصل له كل ما يلتذ به لم يأنس ولم يطمئن إلا بمحبة الله عز وجل”.

محبّة الله سبحانه، هي التي رفعت عبادا جلُّهم من المغمورين في هذه الدنيا وأعلت ذكرهم وألقت محبّتهم في القلوب، وهي التي سترفع أهلها في الآخرة إلى الفردوس الأعلى: في الصّحيحين أنّ رجلا أتى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، متى السّاعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلّا أنّي أحبّ اللَّه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: “أنت مع من أحببت”، قال أنسٌ: فما فرحنا بشيء فرحَنا بقول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم: “أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت”.

محبّة الله هي التي تجعل العبد يستحيي من خالقه ومولاه، وتحول بينه وبين معصيته ومخالفة أمره جلّ في علاه؛ فما أن تحدّثه نفسه بمعصية أو مخالفة في جلوة أو خلوة حتّى يقرعها بقوله: ((معاذ الله إنّه ربّي أحسن مثواي))، وبقوله: “يا نفس إنّ الله يراني”.. يقول الإمام ابن القيم: “وهي -أي محبّة الله- من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته، ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطانُ المحبةِ في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة مِنْ ضَعْفِ المحبة وسلطانِها، وفرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خَوْفُه من سوطه وعقوبتِهِ، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده”.

محبّة الله تحدو العبد وتؤزّه لينشط في طاعة الله، فلا يضيّع فرضا ولا واجبا، بل يحرص على النّوافل والقربات، لأنّه يعلم أنّها تزيد محبّة الله في قلبه وتعلي مقامه عند مولاه، وتبلّغه رضوانه ومحبّته. في الحديث القدسيّ: “وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ” (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ).. هذه المحبّة، هي التي جعلت الصّالحين من عباد الله، لا يخطر على بال أحدهم أن يؤخّر صلاة عن وقتها، بل إنّ الواحد منهم ليحزن ويبكي إذا فاته قيام اللّيل أو نقص ورده، ويشتاق إلى الصّلاة قبل أن يحين وقتها، يقول عديّ بن حاتم الطّائيّ: “ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها”.

محبّة الله تجعل العبد المؤمن يطمئنّ في هذه الحياة إلى أنّ رزقه سيصل إليه ولن يَنقص منه شيء، وأنّه لن يصيبه إلا ما كتب الله الرّحيم له، ولن ينال شيئا منعه الله عنه برحمته، فهو يقرأ قول الله: ((يُدَبِّرُ الأَمْرَ))، فيوقن بأنّ رحمن السماوات والأرض ورحيمهما هو من يدبّر أمر الكون والكائنات، ومهما ضاقت به الدّنيا من حوله، وتوالت عليه الابتلاءات، فإنّ قلبه مطمئنّ بأنّ الأمر كلّه بيد الله، وأنّه سبحانه يكلأ ويحوط ولا يضيّع، ويبتلي ليجازي ويرفع، ويأخذ ليعوّض وينفع، كيف لا وهو -تقدّست أسماؤه- القائل: ((فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا)).. وقد أعطت الصّديقة هاجر زوجة نبيّ الله إبراهيم -عليه السّلام- مثالا رائعا في اطمئنان القلب لأمر الله واختياره، حينما تركها خليل الرّحمن الموقن بالله مع ابنها إسماعيل الرّضيع بواد غير زرع وقفل راجعا، فنادته: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن، لن يضيّعنا.

محبّة الله تجعل العبد يحسن الظنّ بربّه الكريم في ثواب الدّنيا، وفي ثواب الآخرة: قيل لأعرابي: إنك ميت، فقال: ثم إلى أين بعد الموت؟ قيل له: إلى الله تعالى. قال: ما وجدنا الخير إلا من الله تعالى، أ فنخشى لقاءه؟! وسأل أعرابي ابن عباس -رضي الله عن-: من يحاسبُ الناس يوم القيامة؟ قال: الله. قال الأعرابي: نجونا ورب الكعبة.. وكان ابن القيم -رحمه الله- يقول عن قول الله تعالى: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)) (الأحزاب: 43): “والله ما تذكرت هذه الآية في ليل إلا نمت مرتاح النفس مسرورا، وما تذكرتها في صباح إلا أمضيت يومي نشيطًا مطمئن النفس”.

ما خلق الله سبحانه عباده إلا ليرحمهم، كيف لا وهو -جلّ شأنه- الذي غفر لعبد من عباده بسبب غصنِ شوك أزاحه عن طريق النّاس، وغفر لعبد آخر وأدخله الجنّة لأنّه سقى كلبا، بل ربّما يرضى عن عبده بكلمة تنبع من قلبه يرجو بها رضوان خالقه: يقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: “إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات” (رواه البخاري)، ويرضى عن عبده بكلمةِ حمد أو شكر أو ثناء تنبع من قلبه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام-: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها” (رواه مسلم).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!