-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مفهوم الشورى في التشريع السياسي الإسلامي

خير الدين هني
  • 283
  • 1
مفهوم الشورى في التشريع السياسي الإسلامي

اختلفت المدارس الفكرية في المجتمع الإسلامي منذ أمد بعيد، بما فيها المدارس المحافظة والإصلاحية في شأن مفهوم الشورى الذي أقره القرآن الكريم، فهم يتفقون بالإجماع على أن الشورى أمرٌ مقطوع به في التشريع السياسي الإسلامي، ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا، لقوله تعالى: “وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ”، (آل عمران:159)، وفي قوله: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ “، (الشورى:38). وفيما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خيرٌ لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خيرٌ لكم من ظهرها، قال حديث غريب.

والشورى التي أمر الله سبحانه النبي الكريم بالعمل بها، لا تشمل الأحكام والتشريع والعبادات والمعاملات الاقتصادية والتجارية، فهي من عند الله، وإنما يراد بها مشمولات الحياة الدنيا في الحرب والسلم والحياة الاعتيادية، كي يُظهر لأصحابه بأنه بشرٌ مثلهم يأخذ بآرائهم ويستعين بهم وبمشورتهم عند الملمات، من باب الواقعية الإنسانية التي توجبها آدابُ الصحبة والعِشرة وتقاسم الآمال والآلام والمصير، وكذلك ليقرّبهم ويؤلّفهم ويُطيّب خواطرهم، ويُشعرهم بأنهم أحرارٌ في الإرادة والرأي والاختيار فيما لا حكم شرعي مقطوع فيه، وأنهم غير مقيدي الحركة والتفكير والنشاط، وإن كان-صلى الله عليه وسلم- غنيا عنهم وعن مشورتهم، لاتصاله بالسماء وتلقيه الخبر بالوحي.

وعلى هذه القاعدة الواضحة في التشريع السياسي الإسلامي، حول مفهوم الشورى، اتفقت المدارس الفكرية والسياسية عبر التاريخ الإسلامي، إلا أنهم اختلفوا على الطبيعة التنظيمية لمؤسسات الشورى في أجهزة الدولة الحديثة، في حال التزمت بقواعد الحكم بمبدأ الشورى، المنصوص عليه في التشريع السياسي الإسلامي، فكل مدرسة فهمته على نحو خالفت فيه المدرسة الأخرى، و مردّ الاختلاف في ذلك يعود إلى الأصول التي كان يقوم عليها نظام الشورى في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده، إذ كانت لا تخضع لنظام إداري وهيكلي، ينظّم إدارتها وقواعد العمل بها عند الاقتضاء.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما عمل بمبدأ الشورى، لم يكن اهتمامه يتجه نحو وضع أطر تنظيمية كالذي عرفته الدول المنظمة في زمانه، وإنما كانت غايته ترمي إلى إرشاد المسلمين إلى ضرورة العمل بقواعد الشورى؛ حتى لا ينفرد الحكامُ بالرأي ويستأثروا به، دون غيرهم من أهل النباهة والحصافة والرأي في الدولة.

لذلك عمل بما كان شائعا به العمل في الحياة العربية، إذ يُعقد مجلس الشورى في منزل شيخ القبيلة أو يخصَّص له مكانٌ يطلق عليه اسمٌ معين كدار الندوة عند قريش، أو في المكان الذي تعترضهم فيه المشكلة، مثلما حدث في الطريق إلى بدر قبل نشوب المعركة، وكذا في المدينة بالمسجد النبوي قبل غزوة أحُد، أو بالمسجد النبوي حين استشار الخليفة أبو بكر كبارَ الصحابة في شأن المرتدّين، أو كالذي فعله عمر بن الخطاب عند الاستشارة عمن يستخلفه عندما طُعن.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ برأي الفرد الواحد حينما رجح لديه الصواب في رأي الحُباب بن المنذر قبل غزوة بدر، أو برأي الأغلبية مثلما وقع في المسجد قبل غزوة أحُد، وقد تجهَّز للخروج لملاقاة المشركين من غير أن يتراجع عما أجمعوا عليه، بعدما تبيَّن لأصحابه خطأ ما أقدموا عليه عندما دخل إلى بيته لأخذ العدّة للحرب.

والاختلاف الكبير بين المدارس الفكرية والسياسية اليوم في شأن وجوب الشورى من عدمه، هو تباينهم الكبير في فهم دلالة الشورى بمخرجات التأويل، وهل هي ملزِمة ويجب التقيد بها في التشريع السياسي لأصول الحكم، أم أن الأمر القرآني للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يقتضي الوجوب، وهي على وجه الاستحباب والاستئناس ليس إلا. (كما يقال في أيامنا استشارة غير ملزِمة)؟

واستدل أصحاب المدرسة غير الملزمة بالشورى، بمخالفة أبي بكر الصديق لرأي الصحابة الذين لم يجوّزوا قتال القبائل المرتدّة، وامتناعها عن الزكاة بعد وفاة النبي مباشرة، وأنفذ جيوشا لقتالهم حتى ردهم إلى الإسلام.

على أن أصحاب المدرسة الموجبة للشورى، فهموا الدلالة من الأمر الإلهي على أنه يلزم الوجوب وليس الاختيار، وبدلالة ما فعله النبي -صلى الله ليه وسلم- وتمسك به عند ما اجتمعت كلمة غالبية الصحابة من الشباب المتحمسين، على الخروج إلى أحُد، خلافا لرأيه -صلى الله عليه وسلم- ورأي أقلية من كبار السن من الصحابة ممن كانوا يرون أفضلية البقاء بالمدينة، والدفاع من داخل أسوارها، مما أعطى دلالات الوجوب بأخذ رأي الأغلبية وإن كان مخطئا، تسنُّنًا بهدي النبي وإرشاده وتوجيهه، وحفاظا على التماسك الجماعي ووحدة الصف، وتحمل المسئولية الجماعية التي هي الصائبة في غالب الأحوال والظروف.

واعتبارا لذلك يمكن القول: إن المبدأ في الشورى واعتبار ما يسفر عنه من منافع سياسية واجتماعية، وقطع الطريق على أصحاب النزعة الفردانية، ممن تتوق نفوسُهم إلى التمركز حول الذات والتفرّد بالرأي والقرار، هو الأصل الذي اعتمده التشريع السياسي الإسلامي بصيغة الوجوب، انطلاقا من النصوص القرآنية التي تضمنت معنى الأمر، وكذلك من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي عقدها عند الاقتضاء، وعمل بها ولم يخالف ما رجح لديه أو أجمع عليه أصحابه.
والقرآن الكريم حينما تناول الشورى بصيغة الأمر؛ إنما كان يروم مقاصدَ عظيمة تنفع المسلمين في عصور ما بعد النبوة، لقطع الطريق على المستبدين الذين يستلذون متعة العمل بالرأي الأوحد الملهم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وفي تاريخنا المعاصر الذي اختلطت فيه المعاني الشرعية، بالمفاهيم التي استحدثتها النظريات السياسية في الغرب؛ فقد أثر ذلك الخلط على المفكرين الإحيائيين، فوقع بينهم خلافٌ عميق، بما له علاقة بين الشورى والديمقراطية، وهل هما متوافقتان ومنسجمتان في فلسفة التشريع وغاياتها المقاصدية، أم إنهما مختلفتان ولا تجمعهما صلة، لتباينهما في الأهداف التأسيسية والمرجعية؟

ولهذا نجد بعض الزعامات الإحيائية الملتزمين بالحَرْفية، لا يقبلون التأويل ولا التكييف مع النظريات الوضعية، ولا يجوِّزون الإدماج بينهما لنفور العلاقة التأسيسية والغائية بينهما، ويشتد بعضهم في تكفير النظريات، لكونها تعادي الدين والقيم الأخلاقية.

أما أصحابُ المدارس الإحيائية ممن شاركوا في تجربة الحكم؛ فإنهم نظروا إلى الديمقراطية من وجهة نظر نفعية؛ إذ اعتبروا التشريع السياسي الإسلامي يبيح الاستفادة من أي تجربة تفيد المسلمين، إذا كانت تقبل التكييف والمطاوعة مع الأهداف الشرعية، والشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية، كلاهما يستهدفان غاية واحدة، وهي تحقيق الحرية والعدالة والمساواة، وتكافؤ الفرص بين الجميع في إبداء الرأي من غير تفاضل بين الناس.

لذلك قبلوا الانخراط في العمل السياسي ضمن هذه المقاربة، ولم يروا حرجا في التوفيق بين الفلسفتين. أما فيما له علاقة بمرجعية التشريع العامّة، فإنهم اقتنعوا بما هو موجودٌ من تشريع في الأحوال الشخصية والأوقاف والمواريث، وهو التشريعُ المعمول به في النظام العربي والإسلامي حاليا، وأرجأوا النظر في التشريع الجنائي والمدني والمعاملات المالية إلى أوقاتٍ مواتية؛ اعتمادا على مبدأ التدرُّج الذي يُعدّ من أهم مبادئ التشريع الإسلامي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نمام

    الديمقرطية يغطى الحق في وضع القوانين للشعب والانظمة التي تحكم حتى لوكانت مخالفة للدين اي دولة مواطنين لامؤمنين اما الشورى اخذ راي اهل خبرة وفطنة ورجاحة بعيد اعن لتحييز والتمييز قابلين لراي الاخر مع اخذ راي الاخرين حول المسائل المعينة او الاقرب للصواب بدون راي الجميع وهنا قد يكون راي الحاكم الذي يختارهم و بطانةسلطان وقد لا يخقق راي معظم الناس و الديمقرطية لحد الان الاصوب و لو كانت بها اخطاء لانها لا تقصي على اساس عقيدة و لا مراة بكفاءة ويصبح ذميون و مواطنين ودولة مؤمنين لا مواطنة فيها ويصبح الامر طاعة لله و رسوله و اولي الامر اي اولي الامر بشر معصومين لا خلاف عليهم قي زمن العلم فيه متشعب لا مجصورا في الكتاب و الستة سنن كون هل نهمش هؤلاء ونقصيهم وناخذ براي رجل علمه محصور في حقظ كتاب الله و بعض الاحاديث ونترك علم الارقام و الحساب والاعلام الالي و ثورة العلم الامر يحتا ج لاجتهاد وفتح الشورى للاخنصاصات حتى التفسير للكتاب يتطلب تخصصات علم نقس و اجتماع واقتصاد وهذا يتطلب تعدد لا يقوم به فرد كما كان زمان قد ولى