-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الحلقة (3): لماذا هو "حركة" وليس تفسيرا؟

مقدّمة حركة القرآن المجيد في النّفس والمجتمع والتّاريخ

أبو جرة سلطاني
  • 460
  • 0
مقدّمة حركة القرآن المجيد في النّفس والمجتمع والتّاريخ

بعد طول أخذ وردّ ومقاربة وسدّ، انشرح صدري لخيار كتابة تفسير معاصر، فاستعنت بالله على فهم كلامه بكلامه وتفسير القـرآن بالقـرآن مع استئناس واسع بأسباب النّزول واتّكاء على من غلب على ظنّي أنّ الله فتح عليه فتوح المهتدين. لأدوّن عموم ما فهمت وأجمع أطراف ما فقهت وأحْيي نفسي بكلام الله الحيّ في واقع متماوت بسبب خوْض كثير من النّاس في دنياهم بتنصّل واسترخاء وتهالك واستباق بعضهم إلى فعل الخيرات بحظّ متفاوت. مخاطبا الفطرة الرّاقدة بما أودع الله فيها من صبْغة لا تمحوها زخارفُ الدّنيا ولا تشوّه جمالها شقشقات لسان ولا تهزّ أرومتَها فلسفاتُ زمان وجواذب مكان وتقلّبات إنسان لأنها: ((صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)) (البقرة: 138)، بأسلوب بعيد عن الإيغال المبهم وعن التبسّط المسرف وعن التّأويل الغالي وعن الاستقصاء المفرط في التّحرير والاختصار المخلّ والاستطراد المللّ والعسْف المضلّ. من منطلق أنّه في طوقنا قدرة متاحة على التّعامل مع كلام الله بكلامه، والاستعانة بسنّة رسوله -صلّى الله عليه وسلّم-، فهما عندنا وحيان لو كان البحر مدادًا ومن ورائه سبعة أبحر لنفدت قبل نفاد كلمات ربّنا -جل جلاله– ولو كان كلُّ ما في هذا الكون من أشجار أقلاما لجفّت مياه البحار قبل أن تنفد كلمات الله: ((قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)) (الكهف: 109).

كلمات الله تعالى أوسع مما تضمّنته دفّتا المصحف الشّريف من الفاتحة إلى النّاس. وما علّمه لآدم -عليه السّلام- من الأسماء لم يكن سوى بعض كلماته الواجبة لاستخلاف الأرض. فالقرآن هو الكتاب الوحيد في هذا الكون المحفوظ في ألفاظه بحفظ الله له، من بين كلّ ما بقي بين يديْ البشر من كلام الله للإنس والجنّ، ممّا بقيّ من ميراث النّبوّات فوق هذه الأرض من عهد آدم -عليه السّلام- عروجًا بأولي العزم من الرّسل وصولاً إلى النّبيّ الخاتم.

فكلام الله -عزّ وجل- لرسله هديّةٌ منه للبشريّة في كلّ زمان ورحمة للنّاس كافّة في كلّ مكان، أتمها سبحانه وأكملها على يديْ آخر من اصطفى محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بإجماع من آمن به، وبإقرار من حكم بذلك، حتّى لو لم يؤمن به وخبط في أودية الضّلال خبْط عشواء فأنكر تنزيل القرآن وكفر بشريعة النّبيّ العدنان وقلّب لأمّة الفرقان ظهْر المِجَنّ. فالله -جل جلاله- يقرّر خلاف ما يدّعون ويكشف أنّ هذا الكتاب مصدّق لما بين أيدي أهل الكتاب وما خلفهم؛ فهو آخر كلام ناسخ ومهيمن وداعٍ إلى صراط مستقيم. فبعض ما فيه كان مسطورًا في صحف الأوّلين: ((إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)) (الأعلى: 18- 19)، أيْ قوله تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) (الأعلى: 14- 17)، مثل هذا الكلام كان مسطورا في التّوراة والإنجيل وفي صحف إبراهيم قبلهما.

لماذا حركة وليس تفسيرا: هي محاولة لفهم علاقة المسلمين بكلام ربّهم -جل جلاله- بتجديد فهمه بلغة متناسبة مع عصرنا والعصور الموالية. وهي خطوة صغيرة على درب طويل غايتها استبصار كلام ثابت بأفهام متغيّرة ومتطوّرة فقدت لغة القرآن فلا تدري ما الفتيل ولا النّقير ولا القطمير؟ ولا تدرك معنى قوله تعالى: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) (الأنعام: 38)، فما في الكتاب أوسع إحاطة من اجتهادات البشر ومن فهوم العقل. وأدقّ لفظًا من ألفاظهم. وأشمل شِرْعةً من شرائعهم. وأقوم منهاجا، وأبلغ بيانا، وأصحّ قصصًا، وأوثق صلة بمن في السّماء. فكانت الحاجة ماسّة إلى التّذكّر بما هو من البديهي المعلوم.

على مدار قرون تلت نزول القرآن المجيد، إلى يوم النّاس هذا، انبرى أساطين اللّغة ونوابغ الفكر وفطاحلة الأدب وكلّ جهْبذ نحرير إلى بحث دقائق القرآن وتفتيش حقائقه وفتح وثائقه والتّجوال في فسيح حدائقه.. فما وجدوا في كلمة من كلماته وجهًا لمطعن، ولا في لفظ من ألفاظه احتمالا لمثلب، ولا في معنى من معانيه -التي تحتملها أساليب لغة العرب- مطيّة لتأويل مقبول أو ذريعة لتبديل مسؤول إلاّ من كان أفّاكا أثيما ناقَضَ الحقّ وجانب الصّواب وركب الصّعب وزعم الغيب فقال على الله شططا وافترى عليه كذبا وظنّ أنه وجد من دونه ملتحدا: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)) (النّساء: 82).

فهم كلام الله يحتاج إلى يقين واثق بأنه كلام الله الذي لا يُقرأ من خارج أصواته ولا يُفهم بسماع غير منصت يفوّت على قارئه شرف استحضار رهبة المتكّلم -جل جلاله-، فلا يجعل كلامه نصّا يُقرأ فحسب، وإنما هو حياة متحرّكة في النّفس والمجتمع والتّاريخ: يسمعه شارب الخمر سؤالا من ربّه: ((فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)) (المائدة: 91)، فينتفض فور سماعه بالفعل النّازع إلى الانتهاء، وبالإعلان الواجب عن نهاية الفعل بالقول: “انتهينا يا ربّ”. ويسمع قاطع الطّريق قول ربّه: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)) (الحديد: 16)، فينتفض قلبه في صدره مستشعرًا جلال السّؤال فيكفّ عن فعلته ويقول: “بل آن.. بل آن”، كما جاء في قصّة توبة الفضيل بن عيّاض.. فجُلّ من ركبوا صهوة الطّعن في كتاب الله انتهى بهم الرّكض إلى تقطّع أنفاس الشّك ووقوف جواد اليقين بساحة الإيمان والتّسليم بأنه كلام الله: ((مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُواْ الْأَلْبَابِ)) (آل عمران: 7).

كلّ الذين كابروا وأخذتهم العزّة بالإثم انتهوا داحضين أو ردّوا أصابعهم إلى أفواههم صموتًا خاسئين بعد طول جدّ واجتهاد أمام قوله تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (البقرة: 23).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!