الأحد 21 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 19 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 11:39
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

الشيخ عباسي مدني (رحمه الله)

مات عباسي مدني، المجاهد الذي كان من الكوكبة الأولى التي فجرت الثورة المباركة، والأستاذ الجامعي الأكاديمي المنظر، والسياسي الذي قاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة.

ودع عباسي مدني الدنيا من خارج بلاده، التي جاهد في سبيل استقلالها، وناضل طويلا محاربا الاستبداد الذي غطى عن فضائلها، ولم يخرج منها باختياره، وإنما أخرج بإرادة من شخصية سياسية نافذة، انتقاما منه لرأي شخصي رآه في هذه الشخص..، ولحقد دفين سكن خصيمه طيلة سنوات، بسبب موقف شخصي لا علاقة له بالسياسة ولا بالمواقف الرجولية…، فقد قال له يومها “يا عباسي لا مكان لك في الجزائر”، فغادر الشيخ رحمه الله مرغما، وترك وراءه الكثير من التساؤلات، فمن قائل إنه اختار فيلات الخليج، وفخفختها على شقق الجزائر، ومن قائل ترك وراءه المآسي، التي تسبب فيها الصدام بين الحزب الذي ترأسه والسلطة السياسية، ومن قائل خان مناضلي الجبهة الإسلامية وهرب…، وإلى ما هنالك من الأقاويل، التي لا علاقة لها بالحقيقة.

لقد آن الأوان لأن يعرف الجزائريون أن عباسي لم يخرج من الجزائر مختارا.. ولا هاربا.. ولا خوفا..، وإنما اخرج رغما عنه وعلى غير إرادة منه، بفرض من شخص له من الله ما يستحق.

مات عباسي بعدما قضى في هذه الدنيا 88 سنة، حيث ولد في سنة 1931 بسيدي عقبة، ولاية بسكرة، وقضى أكثر من ربع هذه الحياة في السجن، أي 21 سنة، ثلثيها في مرحلة الاستقلال، في ظل الدولة الوطنية، سنتين ما بين 1982/1984، و12 سنة ما بين 1991/2004، والأرباع الثلاثة الباقية، موزعة على مرحلة الطفولة، والنضال السياسي، وطلب العلم ونشره.

تلقى عباسي مدني تعليمه الأوّلي في مسقط رأسه بسكرة، متنقلا بين قراها ومداشرها، على أيد بعض شيوخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي أربعينيات القرن الماضي انخرط في خلايا حزب الشعب الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ومنها انخراطه في المنظمة الخاصة، الذراع المسلح لحزب الشعب وحركة الانتصار، ولما اندلعت الثورة الجزائرية سنة 1954، كأن أول من وضع قنبلة في الإذارعة الجزائرية، وكان يومها يعمل تحت إمرة المجاهد رابح بيطاط رحمه الله.

وبعد الاستقلال أكمل تعليمه، بين جامعات، الجزائر وبريطانيا، ليحصل على ماجستير في التربية، ثم الدكتوراه في التربية أيضا.. لينتقل إلى التدريس بالجامعة الجزائرية في مادة التربية المقارنة، بعد سنوات طويلة قضاها في التعليم قبل ذلك.

نشاطه العلمي

لم يعرف للشيخ عباسي نشاط علمي غير محاضراته بالجامعة، رغم ان مكانته العلمية الأكاديمية قل نظيرها في الجزائر وفي غيرها، حيث ان نشاطه السياسي والحركي أضحى هو الغالب، وهو الذي عرفه به الناس.

بينما الحقيقة أن للرجل جهد علمي عظيم، قد حواه كتابه “النوعية التربوية للمراحل التعليمية…”، وهو كتاب رغم قلة صفحاته، يمثل عصارة فكر الشيخ عباسي التربوي والإصلاحي؛ بل ويحوي أيضا منهجه في الإصلاح والتغيير الذي أراد أن يطبقه في تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقبل ذلك دعا في هذا الكتاب إلى مراجعة العلوم الإنسانية التي أنشئت وتطورت على يد الغربيين، الذين لا تمثلون العمق الإنساني في دراساتهم، فقارن بين المدارس والمنظومات التربوية العالمية: الأوروبية، الأمريكية، اليابانية، والمدارس والمنظومات القديمة، مثل الهندية والصينية… وقارنها كلها بالمدرسة الإصلاحية الإسلامية وأثبت تفوقها؛ بل تجاوز المدارس التي تشكك في علمية العلوم الإنسانية، على اعتبار أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وبنى الحياة البشرية وعلاقاتها على سنن وقوانين ثابتة، وعدم ادراكنا لها كما يقول عباسي لا يعني أنها غير موجودة… فدعا إلى علم اجتماع جديد.

وما دامت القوانين التي تحكم العلاقات البشرية علم، فلا بد من اعتمادها وبناء المنهجيات عليها… فهو يرى بناء على ذلك، أن منهجية التغيير تبدأ من الشعور بالمشكلة، أي أن الواقع الذي نريد تغييره، لا بد من أن نشعر بأن هناك مشكلة مانعة من الرقي والتطور يجب إزالتها، أي أن النخبة تشعر بذلك، وكذلك الجماهير، وإذا انعدم الشعور بالمشكلة، لا يمكن أن يحصل التغيير. وعندما يوجد الشعور بالمشكلة ولا يحصل التغيير، فمعنى ذلك أنه لم يصل إلى حد التوتر المفضي إلى التغيير، عندئذ لا بد من رفع مستوى الشعور بالمشكلة، بحيث يبلغ التوتر الذي يحصل بعده التغيير، عبر التوعية والتعبئة والوعظ والتحريض على المفاسد والمفسدين….

أما عملية التغيير فلا تتحقق إلا بتنشيط السوائل ثلاثة: الحبر، العرق، الدم.

فالحبر يرمز به للإنتاج الفكري والعلمي والأدبي والفني، وذلك تقوم به النخبة التي على عاتقها إنتاج الأفكار والمشاريع الإصلاحية والأدبية والفنية والإعلامية؛ لأنه من مهامها الأساسية، باعتبارها المعول عليها في إنتاج التغيير الذي تتطلع إليه الشعوب؛ لأن الجماهير ليست مؤهلة لأن تصل إلى مبتغاها إلا عبر ما تنتجه النخب من أفكار ومشاريع إصلاحية في جميع المجالات، وهي المقصودة بثمرة “النوعية التربوية” التي حرص عباسي على إيجادها والإشادة بها.

اما العرق فيرمز به إلى الجهد الذي تبذله الشعوب عموما، في نهضاتها وثوراتها وانتفاضاتها، نخبها وعوامها، وهو أنواع مختلفة، جهود مادية ومعنوية. ورغم أن الجهود لا تحصل كلها بتصبب العرق، فإن العبير عن الجهد بالعرق، تعبير عن الشكل الملموس في كل جهد مبذول، وإلا فإن الكثير من الجهود المثمرة لا تحتاج إلى تصبب العرق، وكذلك الدم، فهو يرمز إلى التضحية، وليس بالضرورة ان يموت الناس او يَقْتلون غيرهم  ليتحقق التغيير، وإنما رمزية الدم، تعبر عن جميع أنواع التضحية ومنها المعاناة والاجتهاد والجهاد والقتال…إلخ (حتى اذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا).

نشاطه في الحركة الاسلامية

لم يكن عباسي يؤمن بالتنظيمات الدعوية الإسلامية التقليدية، رغم أنه كان عضوا في جمعية القيم الإسلامية، التي انشئت في الجزائر بعد الاستقلال، عندما حرمت جمعية العلماء من استئناف نشاطها في الجزائر المستقلة، التي أسسها نخبة من بقايا الجمعية وتلاميذها ومدرسيها.

وذلك ليس لأنه لا يهتم بالمشروع الإسلامي، وإنما كان يرى أن التنظيمات الإسلامية تحجّم الإسلام وتقزمه؛ لأن الإسلام تيار جارف وليس مجرد تكتل حزبي يمكن أن يمثل طرفا في المعادلة الاجتماعية، فكان يقول رحمه الله “لا يمكن ان نضع البحر في قرعة”، ولذلك لم يعرف عنه، الانتماء إلى تنظيم من التنظيمات الموجودة في الجزائر أو في خارجها… وأدى به موقفه هذا إلى الاصطدام مع التنظيمات القائمة في الجزائر، ومنها التنظيم الإخواني على وجه الخصوص، بحيث لم يجد راحته الكاملة إلا مع الشيخ علي بلحاج، الذي كان يمثل هو الآخر صوتا دعويا جارفا، لا يتسع له التنظيم مهما اتسع…، ومع ذلك كان يكنّ تقديرا خاصا لجماعة البناء الحضاري، رغم انه لم يكن منتميا لهذه الجماعة، وإنما تربطه بها علاقات فكرية، حيث فتحت له هذه الجماعة ساحاتها الدعوية لينشط فيها، بعد عودته من بريطانيا.

لم يعرف عن عباسي –كما عرف عن غيره من رجال الحركة الإسلامية-، الخطاب الدعوي الوعظي والإرشادي، وإنما عرف بالخطاب الفكري، العلمي، التوعوي والسياسي، بحيث كان يصعب على رواد المساجد فهمه يومها وفهم دروسه المسجدية، حيث كانت المرحلة 1978/1988، أي بعد عودته من بريطانيا,

تمثل تلك المرحلة، مرحلة اقترابه من الجماهير، بخطاب لم تعرفه من قبل، ثم شيئا فشيئا تعرف على الشباب وتعرفوا عليه، في الجامعة وفي مساجد الأحياء إلى أن أصبح من رؤوس التيار الإسلامي وقياداته الكبيرة، لا سيما ابتداء من سنة 1982، حيث كان أحد الموقعين على بيان النصيحة، الذي وقعه الثلاثة: الشيخ أحمد سحنون والشيخ عبد اللطيف سلطاني، والدكتور عباسي مدني، ذلك البيان الذي تلي في تجمع مسجد الجامعة المركزية بالجزائر العاصمة، الذي يعتبر أول خروج سياسي للحركة الإسلامية، الذي حضره آلاف الجزائريين في صلاة الجمعة غطت الشوارع المجاورة للجامعة المركزية، شارع ميلوز وساحة اودان والنفق الجامعي…إلخ.

نشاطه السياسي

لقد بدأ نشاطه السياسي في إطار حزب جبهة التحرير الوطني في عهد الحزب الواحد، وترشح للمجلس الولائي بالعاصمة في سبعينيات القرن الماضي، حيث لم يكن ممكنا النشاط السساسي خارج الحزب الحاكم، إلا في إطار السرية، والشيخ عباسي لم يعرف عنه النشاط السري؛ بل كان يجهر بمعارضته للنظام، ثم اختفى من المسرح السياسي الرسمي، واصطف في الشق المعارض، ولكن كمصلح اجتماعي وليس كمناضل جزبي، وبحكم علاقته السابقة بالحركة الإصلاحية الجزائرية، كان الوعاء الطبيعي له هو التيار الإسلامي، الذي لم يرض عن طبيعته التنظيمية كما أسلفنا، ومع ذلك انخرط في النشاط المسجدي والجامعي، في أوساط شباب الحركة الإسلامية، ولعل أول ظهور سياسي قوي له كان في أحداث سنة 1982، التي دعا فيها الشعب إلى تجمع الجامعة المركزية في صلاة الجمعة، ردا على حملة النخب اليسارية في النظام السياسي ضد الطلبة الإسلاميين.

وفي سنة 1989 مع الانفتاح الذي أجراه النظام السياسي إثر أحداث أكتوبر 1988، أسس الشيخ عباسي رفقة بعض الدعاة حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكانت لهذا الحزب تجربة سياسية متميزة، حصل فيها على الأغلبية في تجربتين “محلية وبرلمانية”، ولكن أعداء الجزائر لم يسمحوا بنجاح التجربة، فانقلبوا على هذا الحزب، وحل وسجنت قياداته ومنهم الشيخ عباسي نفسه وشرد مناضلوه، فيما يعرف بالعشرية الحمراء.

عباسي مدني المعارض

يصنف عباسي مدني كسياسي معارض من التيار الإسلامي، ولكنه يختلف عن الكثير من الإسلاميين، فخطابه ليس كخطابهم، حيث كان وبقي معارضا يجاهر بمعارضته للنظام السياسي، ولم يعرف السرية في حياته؛ عندما شعر بأنه سيسجن، أوصى الشيخ محمد السعيد رحمه الله بالإبقاء على مواصلة النضال العلني، ولذلك جوبه بالتشكيك فيه وفي مساره، فقيل عنه أن أبناءه يدرسون في ثانوية ديكارت، وهي ثانوية فرنسية يدرس بها عِلْية القوم، وقيل أن زوجته ألمانية، وقيل أنه ليس له علاقة بالإسلام، وإنما هو يبحث عن الكرسي وكفى…، ولما لم تنفع هذه الدعايات، كان التضييق عليه بغلق المساجد في وجهه، بحيث لم يبق له مسجد يمكن أن يدرس فيه، إلا مسجد السنة بباب الواد، وقليل من المساجد التي يشرف عليها أئمة مستقلون.. وإلى جانب ذلك السَّجن الذي كانت تستعمله السلطة كوسيلة لكتم الأنفاس وغلق الأفواه وتكميمها.

رحم الله الشيخ عباسي، وتقبله في الصالحين.

9 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close