هذه خلفيات ترسيم سيفي غريب وزيرا أوّل
ـ الرئيس تبون يأمر بتشكيل الحكومة لخدمة المواطن والدفع بالاقتصاد الوطني
ـ الوزير الأول: ملتزمون رفقة الطاقم الحكومي بتنفيذ توصيات الرئيس ميدانيا
مالية 2026 وصناعة السيارات وتجسيد اتفاقيات المعرض الإفريقي على الطاولة
نصّب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الأحد، رسميا سيفي غريب وزيرا أول، وكلفه بتشكيل الحكومة، وذلك بعد أن شغل المنصب بالنيابة منذ 28 أوت الماضي، إضافة إلى مهامه على رأس وزارة الصناعة، وأفاد الوزير الأول، مباشرة بعد تنصيبه، بأن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أسدى له تعليمات تتعلق بـ”السهر على خدمة المواطن الجزائري، والدفع بالاقتصاد الوطني نحو المراتب التي تليق بالجزائر”.
وعقب استقباله من طرف رئيس الجمهورية، صرّح غريب أن الرئيس تبون منحه “كل التعليمات اللازمة من أجل السهر على خدمة المواطن الجزائري أولا، والدفع بالاقتصاد الوطني نحو المراتب التي تليق بالجزائر كدولة محورية إقليميا ودوليا”، وفي هذا الصدد، أكد غريب التزامه والتزام الطاقم الحكومي كافة بـ”السهر ميدانيا على خدمة المواطن، والتشاور مع كل الفئات والشرائح الوطنية”، وذلك خدمة للجزائر.
ويظهر بجلاء أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون جعل من قطاع الصناعة ركيزة محورية في برنامجه الاقتصادي، إذ يراهن على رفع مساهمته في الناتج المحلي الخام إلى حدود 13 بالمائة عبر إنتاج صناعي جزائري تنافسي يقلل من فاتورة الاستيراد في عدة قطاعات استراتيجية.
ويتقدّم هذه القطاعات الصناعة الميكانيكية، من خلال بعث صناعة السيارات والحافلات وقطع الغيار، لاسيما بعد أن كلّف، في أعقاب فاجعة الحراش الشهر الماضي، وزير الصناعة بمتابعة ملف استيراد عشرة آلاف حافلة بشكل عاجل والوقوف على المشاريع الصناعية.
كما استقبلت الجزائر، في الأشهر الماضية، رؤساء مجموعات عالمية كبرى متخصصة في مختلف الفروع الصناعية، سواء من أوروبا أو آسيا أو أمريكا، في رسالة واضحة على عزم الدولة على فتح شراكات صناعية حقيقية.
وفي السياق ذاته، شكّل نجاح معرض التجارة البينية الإفريقية الذي احتضنته الجزائر مؤخرا محطة حاسمة عززت من موقع سيفي غريب، وأسهمت في تثبيته وزيرا أول، باعتباره رجل المرحلة القادر على تجسيد هذا التحول الصناعي والاقتصادي المنشود، ويُنتظر أن يُكلف الوزير الأول الجديد، في هذا الإطار، بإعداد قانون مالية 2026 بمقاربة اقتصادية تعطي أولوية كبرى للتصنيع وتعزيز الإنتاج المحلي، بما يترجم التوجهات الرئاسية نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
ملف صناعة الحافلات والسيارات وقطع الغيار في الواجهة
وصرّح رئيس النادي الاقتصادي الجزائري سعيد منصور لـ”الشروق” أن تنصيب سيفي غريب، وزيرا أول يعدّ “إشارة قوية من رئيس الجمهورية، على الاهتمام غير المسبوق بقطاع الصناعة”، مؤكدا أن هذه الخطوة تعكس الإرادة السياسية في إعطاء دفعة كبرى للاقتصاد الوطني، وتشجيع الاستثمار، وإعادة بعث الفروع المعطّلة في السنوات الماضية، وعلى رأسها ملف تصنيع السيارات والحافلات وقطع الغيار، والنهوض بالصناعة الميكانيكية، أي جعل الاقتصاد أولوية في المرحلة المقبلة.
وكشف منصور أن النادي الاقتصادي الذي اشتغل طيلة الأشهر الماضية مع الوزير الأول حول ملف قطع الغيار، لمس لديه “نظرة عميقة قائمة على أسس علمية، بعيدة عن الحلول الترقيعية المعتمدة في الماضي، لتوفير قطع غيار وسيارات مصنوعة في الجزائر، وفق أسس صحيحة”. وأضاف: “في أول لقاء جمعنا به كوفد خاص بقطع الغيار، استقبلنا في مقر الوزارة وقال لنا جملة معبّرة، أنتم في السابق كنتم تبحثون عن الإدارة، أما اليوم فنحن من نبحث عنكم لإعادة بعث الصناعة بأسس صحيحة”، وهو ما يعكس – حسبه – فلسفة الرجل الميدانية وتفهمه الكبير للملفات المطروحة.
وأشار المتحدث إلى أن الوزير الأول الجديد يولي أهمية قصوى للميدان، فهو “لا يكتفي بالعمل من المكتب، بل ينزل إلى الواقع ويستشير الأخصائيين، ويستمع جيدا لما يطرحه الصناعيون، يبحث عن الخلل ويقترح الحلول، ويتابع الملفات الصناعية برؤية شاملة.
وأوضح منصور أن غريب “فتح قنوات الحوار مع المتعاملين الجزائريين والأجانب، وكرّس دور بورصة المناولة في الملف من أجل لمّ شمل الصناعيين والخروج بنتائج ملموسة في ملف صناعة المركبات”.
وأكد المتحدث أن الوزير الأول حرص على نزع العراقيل التي كانت تواجه الصناعيين، فدشّن “المكتب الأخضر” المخصص لمتابعة ملفات المستثمرين على مستوى الوزارة، كما أنشأ “بطاقية خاصة بقطع الغيار” تميز بين القطع الموجهة للبيع وتلك الموجهة للتركيب، مع التركيز على المطابقة والجودة، وقال في هذا الصدد: القطعة هي التي تصبح سيارة لاحقا، لذلك لابد أن تكون مطابقة لدفتر الشروط، وتخضع لرقابة وضمانات، حتى نضمن صناعة حقيقية قائمة على الجودة وليس على الكلام فقط”.
كما شدّد على أن الاتفاقيات الموقعة في معرض التجارة البينية الإفريقية الأخير بقصر المعارض “تؤرخ لمرحلة جديدة في مسار الصناعة الجزائرية”، متوقعا أن تفضي إلى نتائج ملموسة تظهر في الميدان خلال سنة، وأردف قائلا: “هذه نفس التجارب التي مرت بها دول مثل تركيا، ماليزيا، إندونيسيا والصين، وقد لمسنا من غريب جدية في معالجة الملف، ونحن متأكدون أن النتائج ستكون في المستوى المطلوب”.
وختم منصور بالقول إن سيفي غريب هو بالفعل “رجل المرحلة”، بالنظر إلى معرفته الدقيقة بالملفات الصناعية، ورؤيته الواضحة لتطوير قطاع الصناعة، وقدرته على جعل الجزائر لاعبا صناعيا وفاعلا إقليميا وقاريا.
حكومة بواجهة اقتصادية لتسريع الاستثمارات وطمأنة الشركاء
وفي سياق ذي صلة، قال المحلل الاقتصادي سيف الدين قداش، إن تعيين وزير الصناعة سيفي غريب، وزيرا أول بالنيابة ثم تثبيته في منصبه من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لم يكن خطوة عابرة، بل يعكس توجها مدروسا يقوم على إعطاء دفع قوي للقطاع الصناعي ومعالجة أحد أعقد الملفات الاقتصادية، وهو ملف السيارات والحافلات وقطع الغيار فضلا عن تسريع وتيرة الاستثمارات الصناعية التي تتوافد على الجزائر.
وأوضح قداش لـ”الشروق” أن الرئيس تبون بات مقتنعا بأن المرحلة المقبلة تتطلب على رأس الجهاز التنفيذي شخصية ذات خلفية تقنية قادرة على تسيير الملفات الاستراتيجية بالسرعة القصوى، بعيدا عن إيقاعات البيروقراطية أو الحسابات السياسية الضيقة، فالتحديات التي تواجهها البلاد، يضيف المحلل، ليست سياسية بقدر ما هي مالية واقتصادية، وهو ما يفسر حاجة الدولة إلى وضع تقنوقراط في الواجهة، للتصدي لهذه التحديات وخاصة في أفق إعداد قانون مالية 2026 الذي يتوقع أن يحمل طابعا اقتصاديا بحتا.
كما شدد المتحدث على أن هذه الخطوة تحمل أيضا رسالة للخارج، حيث يسعى الرئيس تبون إلى طمأنة الشركاء الاقتصاديين والمستثمرين الأجانب بأن الحكومة باتت يقودها رجل بخبرة تقنية واقتصادية، يشجع على التحول الاقتصادي، عكس صورة السياسي المتقلب، ويأتي ذلك، بحسبه، في وقت قد تعرف فيه أسعار النفط والغاز تراجعا، الأمر الذي يفرض على الجزائر مواصلة تنويع الاقتصاد وتجسيد سياسة تعديد مصادر الدخل الوطني.
وأشار قداش إلى أن الدولة بحاجة في هذا السياق إلى دماء جديدة بواجهة اقتصادية واجتماعية قادرة على مواجهة المطالب الشعبية المتنامية، مؤكدا أن الرئيس تبون اختار في هذه المرحلة الدقيقة التركيز على الملفات التي تحقق برامجه الاقتصادية، مع مراعاة التحديات المجتمعية المتزايدة التي تفرض إصلاحات ملموسة وفعالة.
نجاح المعرض الإفريقي ساهم في تثبيت الوزير الأوّل
من جهته، صرّح الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة مونتريال، حمزة جريمي لـ”الشروق” أن تنصيب سيفي غريب وزيرا أول في الجزائر يمكن اعتباره “رسالة اقتصادية بامتياز أكثر من مجرد تغيير حكومي”، مؤكدا أن الرجل بنى سمعته على الكفاءة والخبرة الصناعية التي راكمها خلال مسيرته.
وأوضح جريمي أن الوزير الأول الجديد يمتلك تجربة كبيرة على رأس قطاع الصناعة عبر عدة فروع ومؤسسات قبل استوزاره شهر نوفمبر الماضي، وزاد منها بعد تعيينه على رأس القطاع، حيث ترك بصمته في هيكلة الملفات الثقيلة وتبسيط الإجراءات المعقدة، مشيرا إلى أن اسمه ارتبط دائما بـ”مشروع التحول الصناعي” الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه.
وأضاف الخبير أن غريب كان أحد المساهمين في إنجاح المعرض الإفريقي الأخير للتجارة البينية الذي احتضنته الجزائر، والذي ساهم في تعزيز مكانة الجزائر كمنصة إفريقية للتبادل والتعاون، من خلال تواصله مع المسؤولين الأفارقة ودوره في تسهيل التجارة البينية والمبادلات، وهو ما سرّع من تثبيته في منصبه كوزير أوّل رسميا بعدما كُلّف بالمهام بالنيابة لعدّة أيام.
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تسعى من خلال هذا التعيين إلى وضع نفسها في قلب المبادلات الاقتصادية للقارة الإفريقية، وهو ما ينسجم مع رؤية تقوم على تعزيز التعاون جنوب – جنوب، واعتبر أن سيفي غريب يجمع بين الخلفية الشبابية والبراغماتية التي تحتاجها الحكومة في هذه المرحلة الدقيقة، فضلاً عن امتلاكه خبرة اقتصادية وصناعية تؤهله لتسريع وتيرة الإصلاحات.
وأكد جريمي أن الوزير الأول الجديد يتمتع بـ”شبكة علاقات واسعة داخليا وعلى المستوى الإفريقي”، إلى جانب معرفته الجيدة بأسس التسيير وقدرته على قراءة الواقع الاقتصادي بما يسمح بـ”تقوية الدعامة الاقتصادية الجزائرية داخليا وخارجيا”، وختم قائلا: “في هذه المرحلة، الجزائر بحاجة إلى قادة يعرفون لغة الأرقام والاقتصاد أكثر من لغة السياسة”.
الوزير الأول الجديد… مسار علمي وعملي ثريّ
متحصل على شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية للمواد من جامعة باجي مختار بعنابة.
تم تعيينه وزيرا أول بالنيابة منذ 28 أوت الماضي ثم ترسميه الأحد بتاريخ 14 سبتمبر 2025، بعدما شغل منصب وزير للصناعة في نوفمبر 2024. وقبل توليه هذه الحقيبة، شغل سيفي غريب وتدرج في عدة مناصب في القطاع الصناعي أبرزها:
• رئيس مجلس إدارة الشركة الجزائرية القطرية للصلب (AQS)؛
• رئيس مدير عام للمؤسسة الوطنية للاسترجاع، فرع مجمع إيميتال؛
• رئيس مدير عام الجامعة الصناعية التابعة لوزارة الصناعة والإنتاج الصيدلاني ورئيس مجلس إدارتها؛
• مدير البحوث بمركز الدراسات والخدمات التقنية لصناعة مواد البناء (CETIM) التابع للمجمع الصناعي لإسمنت الجزائر (جيكا)؛
• مدير عام مركز التكوين لصناعة الإسمنت، التابع للمجمع الصناعي لإسمنت الجزائر (جيكا)؛
وبفضل تكوينه المتخصص في مجال الكيمياء الفيزيائية للمواد، كان للسيد غريب عدة إنجازات فخرية ونوعية في القطاع، منها:
• بعث وإنجاز مشروع أول بئر بترولية باستعمال إسمنت محلي الصنع؛
• بعث مشروع الجامعة الصناعية للربط بين العالم الصناعي، الجامعة الجزائرية ومراكز البحث العلمي؛
• الإشراف على إنتاج أول محرك بحري جزائري بالتعاون مع مجمع الخدمات المينائية (SERPORT) ومؤسسة المحركات قسنطينة (EMO)؛
• المشاركة في الجهد الوطني خلال فترة وباء 19 COVID من خلال الإشراف على عدة نماذج تجهيزات في إطار محاربة الوباء؛
• مرافقة مصنع الإسمنت لعين كبيرة، فرع مجمع جيكا، في الحصول على المصادقة من طرف TEXDOT- الولايات المتحدة الأمريكية- إسمنت نوع 52.0؛
• الحصول على المرتبة الثالثة للجائزة الوطنية للابتكار (2021)؛
• إطلاق الأقطاب التكنولوجية لصناعة الحديد، الصناعة الصيدلانية، الصناعة الميكانيكية وبعض الصناعات الأخرى؛
• إعداد أول مصنف لمهن الصناعة والمراجع الأولى للكفاءات الرقمية في مصنف المهارات للمهن الصناعية؛
• إعداد أول نموذج للمكتبة الرقمية لمهن الصناعة بالتعاون مع مركب الحجار للحديد والصلب؛
• المساهمة في إطلاق نظام اليقظة الاستراتيجية والذكاء الاقتصادي على مستوى المجمعات الصناعية؛
• خبير صناعي في عدة مجالات صناعية.