-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" في بيت العائدين من جحيم تنزروفت

هكذا قضينا ستة أيام تائهين في الصحراء!

محمد الجزولي
  • 2405
  • 1
هكذا قضينا ستة أيام تائهين في الصحراء!
أرشيف

“عادا من الموت!”.. هكذا يمكن اختصار قصة الشابين، اللذين ضلا الطريق، وهاما على وجهيهما في صحراء تنزروفت القاحلة، أو “صحراء الصحاري”، مثلما يلقبها الكثيرون، حيث قطعا ما لا يقل عن 650 كلم على مدار ستة أيام، قبل العثور عليهما، وفتحا قلبيهما لـ”الشروق اليومي”، ليرويا تفاصيل المغامرة التي كادت تتحول إلى مأساة.

“س.ر” و”س.م” شابان عاطلان، من ساكنة مدينة أدرار، أحدهما أب لخمسة أطفال والثاني أب لطفلين، رويا لـ”الشروق” تفاصيل الرحلة، التي انطلقت يوم الفاتح ماي على متن سيارة من نوع “نيسان نافارا”، وكانت الوجهة ولاية برج باجي مختار، التي قصداها لجلب رؤوس ماشية، يعيدان بيعها بأدرار لكسب بعض المال. وكعادة كل من يسلك دروب الصحراء، حمل صاحبانا معهما كمية من الطعام، وصفيحتي مياه، سعة كل منهما 20 لترا، وصفائح مازوت.

وكان كل شيء على ما يرام، حتى بلغ الشابان منطقة رقان، وحين اجتازا المركز الجمركي، اتجها إلى الطريق المنجز حديثا، لكنه بدأ في الاهتراء رغم حداثته، فبات السائقون يتحاشون سلكه، ويسيرون بمحاذاته، مكتفين بجعله معلما يرشدهم إلى وجهاتهم.

محدّثانا، اللذان اعتذرا عن نشر صورتيهما، نوّها بأنهما لا يعرفان تلك المنطقة، فالسائق بينهما، لم يسبق له أن سافر على تلك الطريق، أما الثاني فسافر مرة واحدة في حياته إلى برج باجي مختار. وذكرا أنه بعد نحو أربع ساعات بلغا النقطة الكيلومترية “200”، وهناك تزودا بالوقود، ثم مرّا بالمركز المتقدم للحماية المدنية، أين جرى تسجيل بياناتهما، وعند المغادرة وجدا إطارين مطاطيين، كمعلم لتبيين اتجاه الطريق، فاعتدّا بهذا المعلم، وسلكا الطريق التي يؤشر عليها، وبعد قطعهما نحو 200 كلم، فوجئا بجبلين يلوحان من بعيد، ما أثار حيرتهما، إذ أن الطريق بين البرج وأدرار، لا تتخللها الجبال بل هي “حمادة” منبسطة، أرضيتها من الحصى والتربة الهشة، وهنا أدركا أنهما ضلا الطريق، فحاولا العودة أدراجهما، مسترشدين بآثار عجلات مركبتهما، لكن الريح كانت قد طمستها. فضلا عن كون المنطقة، لا تتوفر فيها التغطية الهاتفية.

وما زاد الطين بلة علوق عجلات المركبة في الرمل، وعجزهما عن تخليصها، فلم يكن أمامهما سوى المبيت قرب المركبة، وحين طلع النهار، اهتديا إلى تفكيك العجلتين الخلفيتين، ووضعهما تحت العجلتين الأماميتين العالقتين، فتمكنا من تخليصها، وبالتالي مواصلة السير على غير هدي وسط صحراء قاحلة موحشة. وقضيا ليلة ثانية في العراء، وفي اليوم الثالث قطعا نحو 400 كلم، من دون أن يصادفهما إنسان.

بشائر الفرج!

وجاءت بشائر الفرج بحلول اليوم الرابع، إذ وجدا نفسيهما في منطقة، بها آثار كثيرة لعجلات السيارات، وهنا أدركا أنهما في منطقة للرعي، فأيقنا بالخلاص، لاسيما بعد أن عثرا على بئر ماء بالمنطقة، فمكثا بجانبها في انتظار قدوم أصحاب القطعان، وهما يقتاتان على ما تبقى لهما من خبز يابس، ويشربان ماء البئر ويستظلان بالأشجار الشوكية.

وظلا يومين على تلك الحال، إلى أن لمحا سيارة سوداء تقترب من البئر، فهرعا إلى السائق يسألانه إنقاذهما من الكرب الذي وقعا فيه، عرض عليهما السائق خيارين، إما أن يقضي معهما الليلة وفي الصباح يقودهما إلى الطريق الصحيح، أو يدلهما على كيفية بلوغه ويغادر، ففضلا الفكرة الثانية، لارتيابهما في الرجل، فشرح لهما هذا الأخير كيفية بلوغ الطريق، وفي الصباح غادرا مسترشدين بتوجيهات السائق، لكنهما ضلا الطريق مرة أخرى وعادا أدراجهما باتجاه البئر، وهنا انفجر إطاران للسيارة، فاهتديا إلى حشو الإطارين بالألبسة وكل ما طالته يداهما من قماش، لكن الأمر لم ينجح.

وفي غمرة اليأس، انطلقا راجلين، ولم يطل بهما السير، فوجدا مخزنا وسط الصحراء به مؤونة ومياه، ولا يوجد به أحد، فأكلا ما يسد رمقهما، وظلا ينتظران إلى أن قدم أصحاب المخزن، فرحبوا بهما، واستضافوهما، كما تكفلوا بتغيير الإطارات التالفة، وقادوهما إلى الطريق المفضية إلى تمنراست، وعند بلوغهما منطقة تتوفر فيها التغطية الهاتفية، اتصلا بذويهما وأبلغاهم أنهما بصدد دخول بلدية آراك التابعة لتمنراست، وهنا انتهت محنتهما، التي دامت ستة أيام، وقالا إنه لم يكن لهما فيها مؤنس سوى ذكر الله.

يشار إلى أن القضية أعادت إلى السطح، وضعية طريق أدرار ـ برج باجي مختار غير الصالح تماما، وكثيرا ما يتسبب في فقدان سالكيه، وبعضهم لقي حتفه جوعا وعطشا في مجاهل الصحراء، بعد أن يضل سبيله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • السراب

    الجزاءر القارة و القفار