-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل هناك علاقة بين التحرّش ولباس المرأة؟!

سلطان بركاني
  • 1478
  • 2
هل هناك علاقة بين التحرّش ولباس المرأة؟!

من أمارات غربة الدّين في هذا الزّمان، أنّ الأفكار العلمانية أصبحت تطرح على أنها مسلمات عقلية لا يخالفها إلا منغلق متشدد، بينما ينظر إلى القيم الدينية على أنها أفكار غريبة بالية يدلّ التشبّث بها على الجمود والتحجر.. ولعلّ من المفارقات الغريبة أن تجد لدى العلمانيين العرب من التطرف في تسفيه التمسك بالقيم الدينية ما لا تجده عند الغربيين، بل قد تجد لدى الغربيين دراسات اجتماعية ونفسية تؤكّد القيم الدينية عند المسلمين من دون الإشارة إليها، بينما يصرّ العلمانيون العرب على المكابرة والإصرار على حرب كلّ ما له علاقة بالدّين!
نأخذ مثلا: علاقة التحرّش، بلباس المرأة؛ حيث نجد أنّ القرآن يشير ولو بشكل غير مباشر إلى أنّ هناك علاقة وطيدة بين اللباس ومدى تعرّض المرأة للأذى، فيقول سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا))، وكأنّ هذه الآية تجعل الحجاب راية ترفعها المرأة المسلمة تعلن من خلالها أنّها ملتزمة بأمر خالقها واقفة عند حدوده وأنّها لا تقبل الخنا أو المساومة..
وكلّما كان حجاب المرأة أوسع وأسبغ وكان التزامها بآدابه أكثر، كانت الرسالة أدلّ وأوضح.. ومصداق هذه الآية نراه في واقعنا، حيث نجد مرضى النّفوس الذين يحترفون التحرّش، يتردّد الواحد منهم في التحرّش بالمرأة المحجّبة حتّى يرى من تصرفاتها وحركاتها ما يشي بأنّ حجابها لباس وليس شعارا، وإن ظهر له ذلك وسوّلت له نفسه التحرّش بها، فإنّ تحرّشه لا يكون بحدّة تحرّشه بالمرأة التي تلبس الضيّق أو القصير.

العلمانيون يجعلون القاعدة استثناءً والاستثناء قاعدة!
رغم وضوح الآية القرآنية آنفة الذّكر، ورغم دلالة الواقع، فإنّ العلمانيين يصرّون على المكابرة وعلى نفي وجود أيّ علاقة بين التحرّش واللّباس، مع أنّ هناك دراسات غربية كثيرة أثبتت أنّ اللباس الضيق أو القصير الذي يكشف أجزاء من الجسد أو يظهر تفاصيله، وإن لم يكن السّبب الوحيد للتحرّش، إلا أنّه أحد الأسباب الأساسية..
وللقفز على هذه الحقيقة تجد العلمانيين يقلبون الأمور، فيجعلون الاستثناء قاعدة والقاعدة استثناءً، ويقول قائلهم: هناك متحجّبات يتعرّضن للتحرّش، ومنهم من يذهب بعيدا ليتحدّث عن تعرّض المتجلببات للاغتصاب، وعن تسجيل حالات تحرّشٍ بطالبات المدارس القرآنية! مع أنّنا لو قارنّا نسبة المحجّبات حجابا شرعيا اللاتي يتعرّضن للتحرّش، بنسبة المتبرّجات اللاتي يعانينه، لوجدنا أنّ الفرق بين النسبتين كبير جدا..
وهكذا لو قارنّا نسبة المتحرّش بهنّ بين طالبات المدارس القرآنية بنسبة المتحرّش بهنّ بين طالبات الجامعة أو العاملات في الإدارات المختلفة، لوجدنا الفرق شاسعا والبون واسعا، ولكنّ هؤلاء الذين أشربوا في قلوبهم العجل العلمانيّ يرون صغيرة المتديّن كبيرة وكبيرة المنفلت صغيرة، وينظرون إلى خطيئة المتديّن على أنّها تمثّل المتديّنين جميعا، بينما خطيئة غير المتديّن لا تمثّل إلا نفسه، ولو حصل أنّ محجّبة وقعت في الإثم، لوجدتهم لا يتردّدون ولا يتورّعون في اتّهام المحجّبات بأنّهنّ جميعا يفعلن ذلك وأنهنّ يتستّرن خلف الحجاب للتغطية على سوء أخلاقهنّ! بينما لو وقعت متبرّجة في الإثم لربّما وجدتهم يدافعون عنها ويحاولون تهوين خطيئتها بتحميل المسؤولية لمن وقع معها في الإثم أو للأسرة والمجتمع!
حالات التحرّش بالمحجّبات اللاتي يلتزمن شروط الحجاب وأركانه وآدابه، قليلة ونادرة، والمحجّبات اللاتي يتعرّضن للتحرّش -على قلتهنّ مقارنة بالمتبرّجات- هنّ في الغالب من أولئك اللاتي لبسن الحجاب على أنّه موضة، أو أولئك اللاتي لم يفهمن الحجاب بمعناه الواسع؛ فحجاب الجسم ركن من أركان الحجاب الشّرعيّ، وهناك أركان أخرى منها: ترك الخضوع بالقول، وغضّ البصر، واجتناب الخلوة؛ فقد تلبس المرأة الحجاب لكنّها تخضع بالقول مع الرّجال وتغدق عليهم بالابتسامات والقهقهات ولا تجد حرجا في ممازحتهم، وقد تلبس الحجاب الشّرعيّ لكنّها تتمايل في مشيتها وتتغنّج في كلامها ولا تغضّ بصرها.. ولذلك فقد سبق الأمرُ بحجاب الأخلاق في القرآن الأمرَ بحجاب الجسد، قال تعالى في سورة النّور: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ))، وعندما تحدّث النبيّ الأكرم -صلّى الله عليه وسلّم- عن التبرّج في آخر الزّمان لم يكتف بالحديث عن تبرّج الأجساد بل تحدّث معه عن تبرّج الأخلاق فقال: “صنفان من أهل النار لم أرهما”، وذكر منهما: “نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها”. ومائلات مميلات: معناه متبخترات في مشيتهن، مميلات أكتافهن وأعطافهنّ.. ويبقى أنّ استهانة بعض المحجّبات بآداب الحجاب لا ينقص من قيمة اللباس الواسع، لأنّ اللباس الواسع ركن من أركان الحجاب، كما أنّ ستر العورة شرط من شروط صحّة الصّلاة، فإذا ستر أحد المصلّين عورته في الصّلاة لكنّه نقر ركوعها وسجودها فإنّه لا يعاب على ستر عورته إنّما يعاب على نقر الركوع والسّجود.

الحجاب طاعة لله قبل أن يكون حصنا للمرأة المسلمة
من تلبيسات العلمانيين، زعمهم أنّ المتديّنين يعرضون الحجاب على أنّه حصن للمرأة ضدّ التحرّش بها وإيذائها، وبما أنّ المحجّبات أيضا يتعرّضن للتحرّش والأذية، فلم يعد هناك أيّ معنى للحجاب! ونحن لو سلّمنا جدلا بأنّ المحجّبات يتعرّضن للتحرّش بالقدر ذاته الذي تتعرّض له المتبرّجات، فإنّ زعمهم أنّ الحجاب إنّما شرع فقط لحفظ المرأة من التحرّش، زعم باطل، لأنّ الحجاب أمرُ الله تعالى، والمرأة المسلمة تلبس الحجاب امتثالا وتسليما لأمره سبحانه، فكما أنّه -تقدّست أسماؤه- أمرها بالحجاب كلّما أرادت أن تقوم بين يديه مصلية، ولو كانت وحدها لا يراها أحد، ولو كانت في غرفة مظلمة؛ كذلك أمرها بالحجاب إذا كانت في مكان يراها فيه الرّجال الأجانب، وأمرها به حتى لو كانت كبيرة لا يُطمع فيها، فقال سبحانه: ((وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))..
هذه هي النية الأولى والغرض الأهمّ للبس الحجاب، ثمّ تأتي الأغراض الأخرى التي منها أنّ الحجاب عنوان عفّتها، متى ما التزمت آدابه وضوابطه، وهو سبب من أسباب دفع أذى المرضى والمنحرفين عنها، كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) (الأحزاب: 59).

مسؤولية التحرّش.. بين دين الإسلام ودين العلمانية
ينسب العلمانيون إلى المتمسّكين بقيم دينهم أنّهم يحمّلون المرأة المتحرّش بها وحدها مسؤولية ما وقع عليها!!! وهذا تلبيس وتدليس، لأنّ نصوص الشّرع تحرّم على الرّجل المسلم ما هو أدنى من التحرّش: النّظر إلى المرأة ولو من دون كلام أو اقتراب، حيث أمر المولى سبحانه عباده المؤمنين بغضّ أبصارهم قبل أن يأمر النّساء بالحجاب الشّرعيّ، فقال سبحانه: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) (النّور)..
حرّم الشّرع على الرّجل النّظر إلى المرأة ولو خالفت أمر ربّها في لبس الحجاب وأبدت زينتها، وأمره بغضّ بصره وصرف نظره، أمّا لو زاد على النّظر ميلَ قلبه وتطلّعه إلى الحرام فهو في حكم الشّرع آثم ومريضُ قلبٍ، ولو زاد على ذلك التشبّب والتغزّل استحقّ العقاب، وإن تمادى إلى التحرّش كان العقاب المستحقّ أشدّ، وإن وصل إلى محاولة الاغتصاب كان أشدّ، وإن وقع الاغتصاب استحقّ الجلد، أو الرّجم إن كان محصنا.. ولو أنّ المرأة مالت إليه ووافقته، استحقّت معه العقوبة، ولم يكن ميلها وتواطؤها مبرّرا لجريمته..
أمّا العلمانية المنحرفة فإنّها تبيح للرّجل النّظر، وتبيح له التغزّل والتشبّب، فإن وجد سكوتا أو ميلا أباحت له المراودة، فإن مالت إليه المرأة حقّ له أن يقترف معها الحرام، وهو ليس ملوما -في دين العلمانية- ما دامت الواقعة حصلت بالتراضي! لكنّه يتحمّل المسؤولية كاملة لو أظهرت شيئا من الاعتراض على التحرّش، بينما لا تتحمّل هي ولو جزءًا يسيرا من مسؤولية وقوع التحرّش عليها ولو كانت تمشي في الشّارع شبه عارية!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • قل الحق

    لباس المراة اليوم في الشوارع و على القنوات و في المؤسسات و الادارات و الجامعات ...الخ، هو في حد ذاته تحرش، انه التعبير عن طريق بيوت الازياء التي تعترف و لا تخفي ذلك عكس ما يريد اقناعنا العلمانيون، التعبير عن كلمة "هيت لك" لباسيا و هنداميا، هذا ما سطرته ديانة الدجال، العلمانية.

  • جلال

    إن التركيز على الحجاب لهذه الدرجة الكبيرة يدل على أننا أمة مأزومة ومهزومة، لم نستطع أن نجاري الغرب حتى في القيم فالوفاء بالمواصفات والقضاء النزيه وعدم شهادة الزور والصدق في المعاملة والوفاء بالمواعيد والعناية بالضعفاء والمعاقين، كل هذه الأمور سَبَقَنا الغرب إليها فلم نستطع أن نقدم له أي قيمة إضافية لذلك بحثنا عن ظاهرة ما وسلوك غير موجود عند الغرب فكان الحجاب، واعتبرناه قيمة وركزنا عليه لأنه غير موجود عندهم، هذا كل ما في الأمر وبدون مزايدات. ومع الأسف الحرية عندهم قيمة، وعندنا الحجاب قيمة أهم من الحرية, نتاجر بالقرآن وندعي الإسلام, نعتبر فضلات وسموم أبوال الإبل دواء , ولا نتفكر ولا نتدبر, لماذا ما يسمى بالحجاب فرض على المحصنة ولم يفرض على الأمَة, أليست مسلمة وهل هناك طبقية في الدين؟ ثم إن التحرش لم يعد حكرا على الرجال وحدهم