-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الذكرى الـــ62 لميلاد فارس مجمع الشروق علي فضيل:

يمضي الرجال.. ويبقى بعدهم النهج والأثر

الطاهر دحماني
  • 1279
  • 3
يمضي الرجال.. ويبقى بعدهم النهج والأثر
ح.م
علي فضيل

الموت حق على كل كائن حي. وهو قضاء الله وقدره الذي لا مفر منه. ومن أفضل نعم الله أن هذه المصيبة الكبرى، يبدأ وقعها المر كبيرا، وسرعان ما يتلاشى تأثيرها، وتتضاءل صدمتها بمرور الأيام، وتوالي الأعوام. وتلك سنة كونية منذ بدء الخليقة، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وأعمارنا كلها بين يدي خالقها. فلله ما أعطى ولله ما أخذ. (ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستتأخرون ساعة ولا يستقدمون). وخلال هذه الأيام، تمر علينا ذكرى ميلاد الراحل علي فضيل في 17 أوت 1958، حيث تحل هذه المناسبة، وقد غيبه الموت للمرة الأولى عن الاحتفاء بها كعادته كل صيف، مع أهله وأحبابه وذويه.

 أولا/ في البدء.. جمعتنا مضامين قيم الهوية الحضارية:

يشهد الله أنني مازلت مكلوما ومصدوما من هول فاجعة رحيل الفقيد. وطوال فترة انتقاله للرفيق الأعلى منذ 10 أكتوبر 2019، لم أقو بعد على تجاوز وقع لوعة الفراق المر لهذا الإنسان الإستثنائي المتميز… ونزولا عند رغبة بعض الزملاء الشروقيين ممن طلبوا مني توثيق شهادة في حق هذا الصديق الذي تعرفت عليه خلال سنة 1979 في الحي الجامعي طالب عبد الرحمان ببن عكنون، حيث كان يقيم وقتذاك في الغرفة (T 22) بمعية الدكتور محمد شلبي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر حاليا. وهي غرفة تظل محفورة في ذاكرتي بحروف من نور وتبر، حيث استمعت فيها إلى نتيجة نجاحي في البكالوريا عبر أثير الإذاعة الوطنية. ومنذ تلك الفترة، جمعتني به عشرة مودة طويلة، وصداقة أطول وأعمق،،، وذكريات فيها الحلو والمر والحامض… لا تسع تفاصيلها الكلمات، ولا تستوعبها المقالات، سواء في فترة الجامعة، وفي المشهد الثقافي والإعلامي والسياسي والاجتماعي… ويكفي التذكير أن صداقتنا بدأت في التكوين المسجدي، بدءا بالمداومة على صلاة الفجر مع الأستاذ الإمام الشيخ علي ربيع، رئيس المجلس العلمي لولاية البويرة حاليا. وكان بمعيتنا في تلك الفترة: عديد الزملاء كالراحل علي خنوش، المرحوم صالح قيطوني، عبد القادر زبوشي، الدكتور محمد سليم قلالة، باديس قدادرة، عبد القادر بوعرعار، عيسى حسان، صالح حنيني، عبد الحميد بهياني، أحمد كرفاح، المنشد أسامة… وغيرهم من رجال ذلك الرعيل الذهبي، المدافع بصدق عن حرمة الدين والعربية والوطن، حيث خضنا معا معارك ضارية في صفوف حركة التعريب، ضد المتطرفين من دعاة التغريب والفرنسة، وغلاة العلمانيين والفرنكوفيليين والشيوعيين، ومن لفّ لفهم من أعداء ثوابت الهوية الحضارية للجزائر في ثمانينيات القرن الماضي.

ثانيا/ منذ عرفته.. كانت أحلام “سي الأخضر” تعانق السماء:

لعل معظم من عرف الراحل عن قرب، يجزم أن طموحاته، كانت لا سقف لها. فقد كان يعشق النبوغ والتميز في كل الأمور. وكانت همته في السحاب. منذ كان طالبا، لا يحمل سوى معطفه ومحفظته على كتفيه.. فقد كنا نلمس فيه ملامح ذلك الفتى البدوي، المتواضع، المسالم، الخلوق، القادم إلى بهارج العاصمة من ريف ذراع عيشة ببئر غبالو… لكنه كان صاحب مواهب خارقة، تؤهله للذهاب بعيدا بعيدا في سماءات التفوق والنبوغ والتميز والتألق…

فقد ساقته الأقدار ليشتغل أستاذا للغة الإنجليزية، لكن همته كانت أكبر من ذلك، ثم اشتغل إداريا في وزارة الصحة، وغادرها إلى جريدة الشعب، عميدة الصحف الوطنية، ثم التحق بيومية المساء. وفي نهاية المطاف، اهتدى إلى تأسيس جريدة المنبر الحزبية، حيث كلفني برئاسة تحريرها، ثم قام بتأسيس أسبوعية “الشروق العربي” التي كانت اللبنة الأساسية لتأسيس مجمع الشروق من الجريدة والموقع والقنوات المعروفة… فقد انطلق الأخ علي ماديا من الصفر… وهو ابن المجاهد، الفلاح، البسيط، الحاج مسعود طيب الله ثراه… ولأنه صاحب كاريزما متميزة، فقد نجح في تأسيس هذا المجمع المفخرة، والذي تظل إشعاعاته، ومنافعه صدقة جارية، تثقل ميزان حسناته، وتبييض صحائفه، وهو حاليا بين يدي الرفيق الأعلى.

ويكفي هنا التذكير أن المرحوم طالما أسرّ لي ولغيري أنه يريد الاستثمار في مشروع إعلامي واعد، ذي طابع اسلامي، لتغطية الفراغ الموجود في الساحة الوطنية. وكان يروم الاستثمار في مشروع إعلامي متخصص في الشؤون الرياضية. وأكثر من ذلك، كان يريد تحدي المفرنسين بإنشاء منبر إعلامي ناطق باللغة الفرنسية، لكنه يتبنى الخط الافتتاحي الوطني الأصيل لمجمع الشروق. والمؤكد قطعا، أن الأستاذ علي قد أفضى إلى ربه، ولم يحقق معظم طموحاته المشروعة، وآمال ورغبات الشروقيين في حقل الإعلام والاتصال.

ومن المشاريع الواعدة التي تناقشنا حولها طويلا، فكرة رعايته الشاملة لأحسن مشروع دكتوراه في الجامعة الجزائرية. وقد طلب مني ومن الأستاذ أحمد عظيمي تحضير تصور أولي حول تجسيد هذه الفكرة العلمية الثقافية المتفردة… لكن قدر الله وما شاء فعل.

ثالثا/ طوبى لخفة شخصية تفيض دعابة وتتدفق مرحا وطرافة:

علي فضيل الرئيس المدير العام، والمسؤول الإداري الصارم، والمفاوض الشرس لكبار مديري الشركات والوزراء والديبلوماسيين ورجال المال والأعمال… هو ليس شخصية فضة غليظة، ثقيلة الظل… بل هو على النقيض من ذلك تماما. فكل من يعرفه عن قرب، يلاحظ أن وراء صرامته، طبع مرح، ومزاج طريف. فهو سريع النكتة، يوزع البسمات على الجميع. لا تفارقه الضحكات في كل الظروف… فقد عشنا معا لسنوات في شقة واحدة، في مرحلة العزوبة، بمعية الإعلاميين جمال الدين صالحي، وعبد الحميد حبيب. وكانت يومياتنا تطغى عليها الفكاهة والطرافة… وتجلى ذلك بوضوح في المادة الإعلامية التي كان يعدها في برنامجه الإذاعي (فكاهة وطرب) للقناة الأولى، حيث كان يقدم نقدا لاذعا وذكيا لمختلف السلبيات والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في قالب فكاهي طريف هادف.

وتجلى ذلك أكثر في ركن (فضوليات) الشهير، الذي كان يعده في جريدة الشعب، ثم المساء، ثم الشروق العربي.. ولله در روحه المرحة، فقد كان هاشا باشا، طلق المحيا، حيث كان يسلي الصحفيين الشروقيين، عندما يقتضي المقام إضافة توابل التسلية والترفيه، ببعض النكت الهادفة، والدعابات المرحة، ليبعد عنهم كوابيس الملل، ويكسر لديهم روتين رتابة مهنة المتاعب والمصاعب، فكان لا يبخل على الجميع بأروع الطرائف، وأملح النوادر.

رابعا: قلب فقيدنا إغتالته ضغوط عصابة الفساد البوتفليقية:

مع إيماني الراسخ أن الأعمار بيد الله وحده، غير أن المعطيات المتاحة، تؤكد أن علي فضيل قد عانى الأمرين من ممارسات القوى غير الدستورية. وقد شرب كؤوس المر والحنظل من الشقي، سيء الذكر، السعيد ومحيطه، وأذرعه الإعلامية والمالية والسياسية. فقد جن جنون عصابة الفساد البوتفليقية، وحاول أويحيى شخصيا بمهمته القذرة تركيع الشروق، والسعي إلى تحطيمها، وتكليف أبواق مأجورة بخنق صوت الشروق، بخسة وحقارة وجسارة… فقد اختلق لها المشاكل مع المطابع والإشهار، ودفع أموالا كبيرة تحت الطاولة لدعم خصومها… وكان هم أويحيى والسعيد وعصابتهما: كسر عظم الخط الافتتاحي الوطني الأصيل للشروق… لا لشيء سوى لأنها تخندقت مع الأغلبية الرافضة لمن اختطفوا ختم الجمهورية. وبالغوا في النهب والفساد. وبدأت رحلة القهر والضغط المالي والإداري والقضائي والإعلامي لتلك القوى غير الدستورية… حيث تفننت في ممارسة الضغوط الرهيبة على عقل وقلب الراحل، فلم يقو على تحمل قهر العصابة، وقد أنهكته مكائدها. وسيكتب التاريخ العجب لاحقا، وسيقتص من الظالمين، وينصف الضحايا الذين اغتالتهم العصابة، وسيكشف القناع حول ملابسات هذه المأساة التي يشيب لهولها الولدان.

أخيرا/ يا أحباب الشروق اتحدوا لمقاومة قادم التحديات والرهانات:

لقد قدم علي فضيل حياته في مقابل استمرار الخط الرسالي للشروق. والموت ليست نهاية له، بل هي بداية لرحلة أخرى، وانطلاقة لمسار واعد بالجرأة والتميز والتألق. صحيح أن علي فضيل قد مات، لكنه لم يخلف وراءه بنات… بل ترك من الشروقيين والشروقيات من يرد الصاع صاعين لأعداء الإسلام والعروبة والأمازيغية. ومهما كانت ضغوط المصاعب والتحديات، فلا بد من ضمان استمرارية مجمع الشروق، لأنه مكسب لعموم الأمة. والمساس به خط أحمر.. وثقتنا كبيرة في صدق ومصداقية خلفه، الأستاذ/ رشيد فضيل ومن معه في صيانة الوديعة، وحفظ الأمانة، ومواصلة المسار الشروقي كاملا غير منقوص.. ورغم هول الفاجعة، فقضاء الله لا راد له. فدورة الحياة مستمرة. وتلك سنة كونية خالدة.. فكلنا نمضي ونفنى، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام…

علي فضيل ظاهرة فريدة، لا تتكرر، رغم كل ما كابده من مرارة التضييق والحسد والعراقيل. فقد رحل من بيننا داعم العلم والعلماء.. وخادم القرآن.. وفاعل الخير.. وهناك إجماع في صيحة الشرفاء، ملخصه: التشديد على وجوب البقاء على العهد.. وإكمال المهمة الحضارية التي أفنت قلب الفقيد.. فهو لم يكن مجرد هاو للصحافة، بل كان صاحب فكرة ومشروع بكافة أبعاده الحضارية. رسالته تتمركز حول الدفاع عن ثوابت الأمة وأمجادها وأنجادها.. عليك رحمة الله حبيب الفقراء.. محب فلسطين والصومال..

في ذكرى ميلادك الـ62، نبكيك بحرقة ورحمة… وعزاؤنا أن الشروقيين يستخلصون العظات والعبر من مسارك وأفكارك. ولن يخيبوا ظنك في إيصال إشراقات شمس الشروق إلى مشارق الأرض ومغاربها.. فالصمود الصمود،، الرباط الرباط يا جنود الشروق.. والله الموفق لما فيه خير الجزائر وأهلها وأمنها وإستقرارها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • merghenis

    رحم الله على و اسكنه فسيح جنانه.تحية للمسؤولين وصحفي جريدة الشروق .بارك الله فيكم و السلام.

  • خليفة

    رحم الله سي على و اسكنه فسيح جنانه ،و جزاه الله خيرا عنا في تاسيسه لهذا المنبر الاعلامي الذي نجد من خلاله متنفسا حقيقيا للتعبير و بكل حرية و مسؤولية عن اراءنا و افكارنا،ان الشروق تعبر فعلا عن انشغالات و اهتمامات الشعب الجزائري ،بكل حرية و ديمقراطية ،و لذا احي كل صحفيي الشروق و مسؤوليها على مجهوداتهم المبذولة في سبيل ترقية هذا المنبر الاعلامي المحترم ،و دمتم في خدمة الواجب الوطني ،و جزاكم الله خيرا.

  • **

    "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"