-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يوم 5 جويلية 1962 كما عشته

بقلم الأستاذ: صالح لغرور
  • 535
  • 0
يوم 5 جويلية 1962 كما عشته

كنت في الرابعة عشر من العمر سنة 1962.

خلال عام 1962 فقط، عرفت بأنني أبلغ من العمر 14 عاماً.

لم يكن لدي أي مؤشر أو معلمٌ ثابت قبل هذا التاريخ.

لم يكن لدي مؤشرٍ زمني، غير دورة الفصول الأربعة، فهي من شكّل إحساسي بالزمن.

كما أن وعيي بالمكان والفضاء تشكّل فقط عبر الحقول، وقمم الجبال المحيطة بي.

كان أول مؤشر زمني بالنسبة لي هو 5 جويلية عام 1962، وكانت بدايته أو نقطة الأصل هي أول نوفمبر عام 1954.

لم يكن يوم 5 جويلية بالنسبة لي، وكمعظم الجزائريين على درجات ومستويات مختلفة، يوما عاديا. فقد كان يوما، أو بالأحرى شهراً استثنائيا، خاصة وأن الاحتفالات دامت شهرا كاملا، ليلا ونهارا.

فقد كانت الأعلام بألوان جزائرية، معلقة أمام المنازل، وواجهات المحلات، وعلى السيارات، أكثر بكثير من 19 مارس 1962، تاريخ توقف القتال.

كان لباس النساء والأطفال، وكذا الرجال، بألوان العلم ألجزائري. السيارات والحافلات مليئة بالجماهير، من كل صوب وحدب، تجوب شوارع المدينة. كما علت أبواق السيارات، وزغاريد النساء، والأناشيد الوطنية، وقد غصت الشوارع بالمجاهدين والمواطنين، نساء ورجالا وأطفالا، في أوج فرحتهم، يتمتعون بنشوة الانتصار.

مجاهدون ومعتقلون أفرج عنهم، راحوا يلتقون بعائلاتهم. البعض منهم قضى ما لا يقل عن 7 سنوات في المعتقل.

في هذه الأجواء، راح الكل يهتف: “تحيا الجزائر.. يحيى بن بلة”.

كان جواً خارقاً للعادة، فاندهشت وتساءلت: أمعقول أن نتحدى الفرنسيين، الذين كانوا يسيطرون على كل شيء؟!

سنوات من الاختناق والخوف من الجيش الفرنسي، ومن عمليات “المنظمة السرية”، بدأت تزول من ذاكرتي، أحسست بأن الأرض والفضاء يتسعان ويكبران من حولي. اختفى الخوف الذي كان يسكنني منذ بداية الحرب. لكن، وعلى الرغم من هذه الاحتفالات المهيبة، وذلك الجو الهذياني، وهذا الإحساس الفريد بالنصر، وحلم الإستقلال. فلم يكن هذا التاريخ، لا بالنسبة لي ولعائلتي، ولا بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات الجزائرية، بمثابة العيد الكامل! فقد كان يوم نهاية حرب وقتال داما أكثر من سبع سنوات. خلف أعداداً كبيرة من الشهداء ومن الضحايا، يقدرون بمئات الآلاف. فقد استشهد والدي تحت تأثير التعذيب عام 1955، يليه أخي في نفس السنة. كما استشهد خالي الذي تم اغتياله من طرف الجيش الفرنسي، بعد أن شارك مع المجاهدين في عملية حرق مزرعة مستوطن فرنسي. واستشهد ابن عمي، وزوج أختي، بعد فراره من معتقل الجرف، كما استخدم الجيش الفرنسي ابن عم آخر لي، وهو أحمد، والذي لم يتجاوز سن البلوغ، كدرع بشري خلال كمين استشهد خلاله. كما علمنا للتو بأن أخي الثاني، الذي لم نعرف مصيره منذ بداية الحرب، قد استشهد في تونس.

فلم يكن الجو العائلي جو الفرحة، خصوصا عندما شاهدنا عودة عديد المجاهدين إلى ذويهم، وهم يحتفلون بهذه الفرحة، بالزغاريد، وبطلقات نارية، معبرين عن فرحة اللقاء، وسعادة الانتصار. فقد كانت والدتي وأخواتي يائسات، لم يتوقفن عن البكاء. فعلى الرغم من الفرح العام، وهذه الأجواء الاحتفالية، إلا أنها، بالعكس، كانت تسبب لهن حزنا وأسى كبيرين. كما كان علامات وجهي أخوي الاثنين، واللذين حُرّرا من المعتقل، تبدو حزينة ومتوترة ومظلمة. لم يكونا متفقين على تثبيت العلم فوق باب واجهة البيت. فبالنسبة لأحدهما، لا يجب تثبيت العلم، وذلك تعبيراً عن الحداد. أما الآخر، فهو يريد تثبيته لنتقاسم مع الآخرين حفل نهاية السيطرة الاستعمارية، وانتهى بهما الأمر إلى رفع العلم وتثبيته أمام مدخل البيت.

هذا العلم تم رسمه في شهر مارس، بمناسبة توقف القتال على لوحة من الخشب.. كانت هي كرّاسي وكتابي خلال تمدرسي بالمدرسة القرآنية. وقد كتب عليه أحد إخوتي عبارةّ: “الحق يعلو ولا يعلى عليه”.

كنت أجلس، وأحيانا أقف أمام بيتنا، لمشاهدة السيارات والشاحنات المعبأة بالناس، وهي تجوب الشوارع في كل الاتجاهات.

لم أركب في أي سيارة أو شاحنة، ولم أقم بالجري وراءها، ولم اختلط بالمتظاهرين. ربما كنت طفلا متعقلا أو طفلا جبانا؟ لكن، الأكيد، هو أنني كنت طفلا حزينا.

أتذكر أيضا، إضافة إلى ما سبق، عائلات وأرامل الشهداء والمفقودين، الذين لم يعودوا ولن يعودوا أبدا إلى ديارهم. كما أتذكر أن بعض الأشخاص، الذين كانوا يشتغلون عند الأوروبيين، قد اختبؤوا في بيوتهم، خوفا من اعتبارهم عملاء من طرف المجاهدين.

لم أعد أرى أيضا الأوروبيين، فمنهم من غادر البلاد عندما توقف القتال، وحتى قبله. أما الآخرون الذين بقوا في المدينة، فقد التجؤوا داخل بيوتهم، يشاهدون من خلال نوافذهم، مشاهد ابتهاج الجماهير.

أتذكر أيضا أن جيش التحرير الوطني المسمى جيش الحدود، القادم من تونس، قد وصل إلى المدينة للاستراحة، قبل توجهه نحو العاصمة -الجزائر-. وقد استقر هذا الجيش داخل ثلاث عمارات تقع أمام بيتنا، كانت في طور الإنجاز (توقف إنجازها مباشرة بعد توقف القتال).

للمرة الأولى أرى جنوداً جزائريين يلبسون الزى العسكري الموحّد. كما رأيت أيضا، وللمرة الأولى، سيارات “جيب” وشاحنات عسكرية جزائرية، وحتى دبابات محمولة على شاحنات كبيرة. كنت سعيدا وحزينا في ذات الوقت لرؤية كل ذلك.

كانت رغبتنا جميعا: ”نانا” والدة عباس، وكل أفراد العائلة.. كنا نرغب في أن يختفي الجنود عن المشهد، ويغادروا المكان والمدينة في أسرع وقت ممكن، لأن وجودهم كان يُذكّرنا بمن اختفوا عنا (الوالد والأخوان وأفراد العائلة الآخرين، الذين كنا في انتظارهم).

بعد مرور عدد من الأيام، قيل بأن فتيات قد اختفين برفقة بعض المقاتلين، كان يقال بأنها اختفاءات غرامية.

يقال أيضا أن بعض عملاء فرنسا وبعض الأعيان مِمّن لم يساندوا الثورة استغلوا هذه الفرصة ليزوّجوا بناتهم بالمجاهدين، وهكذا قد يتجنبوا الاتهامات، التي قد توجه إليهم بعدم مساندتهم للثورة.

أما ”نانا”، والدة عباس، فقد كانت تأمل دائما في عودة ابنها، وتستمر في اتهام ولعن من يكونوا قد اغتالوه.

أما بالنسبة لي، فهي بداية عودتي للمدرسة، بعد أن انقطعت عنها أثناء سنوات الحرب، بسبب اعتقالنا وإقامتنا داخل معتقل.

استمرّيت من جديد في التّمدرس مباشرة بعد استقلال الجزائر.

في هذا اليوم، 5 جويلية 2022 أترحم على أرواح شهدائنا الأبرار، الذين لولاهم لما كنت مهندسا وأستاذاً للرياضيات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!