“آسيا جبّار” حملّتني مسؤولية، لست مؤرخا ومازلت مهندس ميكانيك
يرى الروائي الشاب عبد الوهاب عيساوي أنّ جائزة آسيا جبّار أضافت له مسؤولية كبيرة سيتحمل عواقبها في الأعمال القادمة ولا ينظر إليها بعين الجوائز، ويقول في حوار لـ”الشروق” إنّه ليس مؤرخا بعدما تناول حياة معتقين أجانب في مدينته الجلفة في أربعينيات القرن الماضي، وأنّ من يشعر بذلك فقد كتب رواية فاشلة، ولم يخف المهندس في الميكانيك عيساوي أنّ الجلفة كمكان في رواياته تجسد فكرة الكاتب ابن بيئته والمحلية تصنع العالمية.
من “الهندسة الميكانيكية” إلى “كتابة الرواية” ثم القصّة؟
لم يكن هروبا، بل توجد عندي تلك الملكة الإبداعية والمقروئية قبل أن أنتقل إلى الجامعة وأكتب الرواية، في المرحلة الإكمالية وحين أصبحت في مرحلة المتوسط، كنت أرتاد كثيرا على المكتبات، وكثير الانشغال بالكتب الأدبية والروايات ومن ثمّة دخلت الثانوية بنفس الوتيرة والإرادة والروح والبحث عن الكتابة والتاريخ، حيث كنت مثل الكتاب الآخرين أميل إلى الشعر وغيره، لكن وجدت الرواية أنّها الجنس الذي يسمح لي بالتعبير أكثر عن هواجسي .
“الجلفة” شكلت كمكان منطلق لروايتيك “سينما جاكوب “و”سييرا دي مويرتي” ما السرّ؟
أكيد أنا مع فكرة الكاتب ابن بيئته، فولدت وتربيت ودرست في هذا المكان الذي كتبت عنه وأطلعت على تاريخ هذا المكان وبالتالي تكونت علاقة لا أقول علاقة روحية وإنّما علاقة ألفة بالجلفة، وعندما بدأت الكتابة وجدت أنني أعيد بناء هذا المكان بطريقة مختلفة ومتخيلة؟ .
يعني أن تطبق مقولة “البيئة من تمنح عالمية الكاتب”؟
بكلّ تأكيد، فأشهر الكتابات العالمية والتي كانت أكثر إنسانية شكل فيها حضور قوي للبيئة والمكان، وأبرز دليل الأديب البرازيلي غابريال غارسيا ماركيز الذي تكلم عن بيئته ولم يخرج منها، ومن الروائيين العرب عبد الرحمان منيف، فأشهر الأعمال ترجمت إلى لغات كثيرة، وهذه هي التي اعتمدت على المحلية وتنتمي إلى المكان بشكل كبير .
تناولت في “سييرا دي مويرتي” ظروف وحياة معتقلين أجانب بالجزائر، هل أردت التأريخ لفترة معينة؟
لم يكن تأريخا مباشرا بل إعادة قراءة وصياغة، خاصة وأنّ هذه الأحداث لم يتحدث عنها المؤرخون كثيرا، لأنّها ربما لا تعني الجزائري بصورة مباشرة وتشكيل غير مباشر، بل تعنيها كجانب من تاريخ ثقافي لهذا المجتمع أو مجتمع معين وليس للتاريخ الجزائري بصفة عامة، لكن هذا التاريخ مغفل إلى حدّ ما، رغم أن الفرنسيين والإسبان كتبوا حول أحداث هذه المرحلة.
على ماذا اعتمدت في حبكة هذه الرواية؟
اعتمدت على مجموعة من الشهادات المكتوبة التي اطلعت عليها ومن خلالها اعتمدت على الجانب التوثيقي للنص الروائي، وأمّا من الجانب الفلسفي فماء جاء أسئلة وجودية وفلسفية.
أتعتبر نفسك مؤرخا؟
لا أعتبر نفسي مؤرخا، فلم يكن الروائي يوما مؤرخا، وإن شعر أنّه مؤرخ فقد كتب رواية فاشلة.
كيف نفسر اهتمام بعض الكتاب الشباب مثلا أنت والروائية هاجر قويدري بالكتابة عن التاريخ في نص روائي مشوق؟
عندما أكتب عن التاريخ وخاصة في رواية “سييرا دي مويرتي” أردت تسليط الضوء على مجموعة من الأحداث، ولكن ليس من أجل الحدث فقط، وإنّما من أجل إعادة صياغة وجهة نظر معينة حول مجتمع معين، انطلاقا من تأثيرات أنّ العالم أصبح قرية صغيرة وكون تأثيرات أوروبية قد نلمسها داخل مجتمع بعيد عن أوروبا بآلاف الكيلومترات، لذلك هي إعادة قراءة مثلا لمجتمع جزائري بوجهة نظر غربية دون استعلاء ورؤية فيمن يرى أنّ الحضارة الأوربية مكتملة، ولكن من يرى أنّ الحضارة الأوربية وصلت إلى الفناء، فنحن لدينا في التاريخ الثقافي وتاريخ الاستشراق أنّ النظرة الاستشراقية نظرة تعال، بحيث ينظر إلى المجتمعات العربية باستعلاء وأنّهم مجتمعات أهالي وغيره.
كيف ساءلت الغرب كروائي جزائري في عملك؟
ساءلت الغرب برأي شخص هزم من طرف الغرب، ولم أسائله من وجهة نظر المنتصر والفائز، لأنّ المهزوم يظهر وجهات نظر مختلفة وهامشية أكثر صدقا.
عنوان روايتك” لاتيني”، لماذا لم يكن عربيا أو جزائريا؟
كان العنوان مختلفا، لكن العناوين لديها فلسفة مغايرة، فبقدر ما يأخذ العنوان نظرة شمولية من داخل النص بناء على علاقته الروحية مع النص، أيضا يكون من جهة أخرى نوع من الإغراء والجذب.
توجت بجائزة “آسيا جبّار” في المعرض الدولي الأخير للكتاب، فماذا منحت لك؟
منحت لي الجائزة مسؤولية كبيرة، فارتباط اسمي باسم الروائية الراحلة آسيا جبّار، فهذا في اعتقادي يجعلني أصبح مُتناولا عند النقاد أو في قرارة نفسي بشكل قاس وأكثر حدّة خاصة في الأعمال القادمة.