آفتا العالم: العنصرية والخمر
في بداية السبيعنات من القرن الماضي، صدر لكاتب فرنسي يسمّى جان فرانسوا ريفل، كتاب تحت عنوان لافت الأفكار والأنظار، هو “Ni Markx Ni Jésus”، وبما أن الترجمة “خيانة” كما يقول بعض الأقوام، فإن مترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية، قد حرف عنوانه من “لا ماركس ولا عيسى”، إلى عنوان: “رياح التغيير الجديدة”، ولولا أن العنوان الأصلي مرقوم على الصفحة الرابعة، لما اهتدينا إلى هذه “الخيانة”، وناشر الكتاب في سنة 1970 هو “منشورات روبير لافون”، وناشر ترجمته العربية “دار الآفاق الجديدة”.
إن الفكرة الأساس في هذا الكتاب، هي أنه لا يخلص العالم من أزماته ومشكلاته فلسفة ماركس “العمياء”، ولا “تعاليم عيسى” التي شوّهتها أوربا، بعدما صبغتها بـ”الإغريقية” و”الرومانية”، وقد ارتأى هذا الـ”ريفل” أن “الإنجيل الأمريكي”، أي “الفلسفة الأمريكية” في الحياة هي الحل.
وعندما كان القرن العشرون، “قرن الظلمات” – كما سمّاه الكاتب الجزائري عمر راسم – يلفظ أنفاسه، ويسلمنا إلى القرن الواحد والعشرين، الذي ربما سيكون أنكى وأشقى، طلع على العالم “متنبئ آخر” اسمه “فرانسيس فوكوياما” بإنجيل آخر سماه: “نهاية التاريخ”، يبشر “فيه العالم بـ”النموذج الأمريكي”، الذي سيطمعه المرّ والسلوى، ويحقق لكل امرئ ما نوى، ويسقيه “عسلا مصفىّ”.. وما ذلك كله إلا “بحر الشيطان” في أمثال العرب، وهو “السّراب”، الذي “يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه” الدنيوي قبل الأخروي..
إذا كان الفيلسوف الفرنسي روجي قارودي في كتابه “حوار الحضارات”، قد سمى أوربا “الشر الأبيض”، لما ارتكبته من أفظع الجرائم في حق الإنسانية، فإن “الولايات المتحدة الأمريكية” هي “مجمع الشرور” بجميع ألوانها، وهاهي الولايات المتحدة الأمريكية تلتهب بسبب ما هو متجذر فيها من شرور، أبرزها “العنصرية” التي قال عنها وزيرها الحالي للدفاع في ندوة صحفية يوم 3/6/2020 بأنها “متجذرة في المجتمع الأمريكي”. وكيف لا تكون العنصرية متجذرة في المجتمع الأمريكي، وهو الذي أسس على إبادة جنس بشري بكامله، وهم “الهنود الحمر”، وهو الذي سنّ سنة الجريمة الأكبر وهي إلقاء القنبلتين الذريتين على المدينتين الآمنتين، هيروشيما ونجازاكي، فتركهما قاعا صفصفا، وحوّل سكانهما ترابا تذروه الرياح. وهو الذي يحمي “جراد أوربا” – أي اليهود الصياهنة – الذين يفعلون في الشعب الفلسطيني ما فعله هو في الهنود الحمر، وما فعله الفرنسيون في الشعب الجزائري، الذي بقيت منه بقية كرست العنصرية الفرنسية في شعوبا إفريقيا وآسيا.
قال المؤرخ الإنجليزي الكبير أرنولد توينبي، إن أخر ما يهدد العالم أمران هما: التمييز العنصري والخمر، وصدق هذا المؤرخ، وهو لا يرى “الخلاص” من هذين الخطرين إلا في “الفكر الإسلامي”، الذي يؤكد أن الناس جميعا من آدم، وآدم من تراب، ولا فضلا لأحدهم في الدنيا على الآخر، ويقرر – الفكر الإسلامي – أن الخمر رجس وقذارة ويأمر باجتنابها. (انظر: توينبي: الإسلام والغرب والمستقبل. ص 62).. وإذن فليس للبشرية إلا “الإسلام كبديل”، كما كتب المهتدي الألماني مراد هوفمان رحمه الله.