-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

آليات واقعية لإعادة هيكلة العلاقات الجزائرية الإفريقية

سيف الدين قداش
  • 2444
  • 0
آليات واقعية لإعادة هيكلة العلاقات الجزائرية الإفريقية

تُعدّ الجزائر، بوصفها قوة إقليمية ذات عمق جغرافي وتاريخي وثقافي في القارة الإفريقية، طرفاً محورياً في إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي في القارة، ومع تعاظم التحديات الجيوسياسية، مثل الأزمات الأمنية في الساحل الإفريقي، والقضايا العالقة مثل قضية الصحراء الغربية، ملف مالي وليبيا، أصبح من الضروري أن تعيد الجزائر النظر في استراتيجياتها الإقليمية والعالمية لتجاوز الخطابات المثالية القديمة، والانتقال إلى سياسات أكثر واقعية، وبراغماتية وإستراتيجية، تضمن حماية مصالحها وتثبيت نفوذها عبر تفعيل القوى الناعمة والصلبة، إذ تُراجع أدبيات سياستها الخارجية بعمق وتحاول الفصل بين ما هو سياسي واقتصادي وما هو إستراتيجي وعملياتي مع تحديد وتقييم العلاقات وفق القصير، متوسط، وبعيد المدى، وتكييف الخيارات الإستراتيجية وفق منطق تفاضل المصالح وتوزيع الصراع، والرد على الأزمات وتغيير المواقف بأساليب غير تقليدية وفي حد زماني إستراتيجي ومفتوح، ولا مناص من الرد.
على مدار عقود، ارتكزت العلاقات الجزائرية مع إفريقيا على قيم التضامن الثوري والشعارات المثالية التي وُلدت من رحم الكفاح المشترك ضد الاستعمار، ولكن مع تغيّر السياق الدولي والإقليمي، أضحت هذه الشعارات غير كافية لمواكبة التحديات المتصاعدة، ولم يعد التضامن الثوري وحده كفيلا بضمان تعاون اقتصادي حقيقي أو حماية الجزائر من المخاطر الإقليمية، إذ تتطلب المرحلة الراهنة إعادة هيكلة هذه العلاقات على أسُس واقعية تأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة، وأهمية الأمن الإقليمي، والتكامل الاقتصادي.

الشراكات الاقتصادية لتحقيق التعاون الاستراتيجي والتكامل الإقليمي
يقول المؤرخ البريطاني بول كينيدي صاحب كتاب “صعود وسقوط القوى العظمى”: “إن القوة الاقتصادية هي أساس النفوذ العالمي، وإن الدول التي تستطيع بناء اقتصادات قوية ومستدامة هي تلك التي ستقود العالم في المستقبل”، وعليه، لا يمكن لأي سياسة خارجية أن تُبنى على مجرد مبادئ أو أهداف تقليدية من دون دعم اقتصادي قوي، ورؤية أمنية ناعمة وصلبة بقالب إستراتيجي، وأدوات تعاون علمي وترويج إعلامي وثقافي موجَّهة.

ينبغي للجزائر تعميقُ علاقاتها مع الدول الإفريقية من خلال استثمارات اقتصادية مستدامة، والتوجُّه نحو بناء شراكات اقتصادية في مجالات مثل الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة وغيرها، مع قيادة مشروعات تكامل الطاقة الإفريقية وتجارة حرة إقليمية قائمة على منافع متبادلة، والمبادرات الاقتصادية التي يجب أن تستهدف بناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على دعم نمو الاقتصاد الوطني.

وعلى هذه الأسس، ينبغي للجزائر تعميقُ علاقاتها مع الدول الإفريقية من خلال استثمارات اقتصادية مستدامة، والتوجُّه نحو بناء شراكات اقتصادية في مجالات مثل الطاقة، والبنية التحتية، والزراعة وغيرها، مع قيادة مشروعات تكامل الطاقة الإفريقية وتجارة حرة إقليمية قائمة على منافع متبادلة، والمبادرات الاقتصادية التي يجب أن تستهدف بناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على دعم نمو الاقتصاد الوطني.

استخدام القوى الناعمة لتعزيز الوجود الجزائري
في إطار إعادة الهيكلة الإستراتيجية، يُعدّ استخدام “القوى الناعمة” التي صاغها المفكّر الأمريكي “جوزيف ناي” والتي قال عنها إنها “أداة فعالة لتشكيل الأجندات العالمية والتأثير على السياسات الخارجية”، أداة فعالة لتعزيز دور الجزائر ونفوذها في إفريقيا، إذ يمكن أن يؤدّي الإعلام الاستراتيجي، عند تصميمه وتعميمه بذكاء، دورا كبيرا في تحسين صورة الجزائر، كما أن جعل الثقافة الجزائرية جذابة والإعلام الموجَّه يُساهمان في تعزيز تأثير الجزائر داخل القارة، كما ينبغي تقديم بسخاء مِنح دراسية في تخصصات الحوكمة والتسيير لأكبر عدد ممكن من الطلبة الأفارقة المتفوقين مع توفير برنامج خاص لتعزيز علاقتهم الثقافية والمجتمعية مع الجزائر، وهو ما من شأنه تعزيز مكانة الجزائر، والمساهمة في بناء شبكات علاقات متينة مع الجيل الجديد من القيادات الإفريقية.
كما ينبغي التركيز على التعاون الإعلامي بعدة لغات وبمختلف الأدوات الإعلامية، وهو ما من شأنه أن يُعزز صوت الجزائر كقوة رائدة في إفريقيا من خلال أدوات أكثر إستراتيجية وديناميكية، ويمكن لهذا التعاون أن يشمل إنتاج محتويات إعلامية مشتركة، أو إنشاء منصات إعلامية تستهدف الجمهور الإفريقي وتروِّج للقيم والمبادئ الجزائرية.

ضرورة الحسم السريع في الملفات الأمنية
تفرض التحدِّيات الأمنية المتزايدة في الساحل وليبيا والصحراء الغربية، على الجزائر التحول من العقيدة الدفاعية المترقَّبة، إلى الهجومية الاستباقية غير المباشرة عبر أدوات غير رسمية، وقيادة عمليات مكافحة الإرهاب ومواجهة الهشاشة السياسية في المنطقة، مع توظيف قدرات أمنية مُلحقة (بشكل غير مباشر)، بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين والدوليين، لحسم الملفات الأمنية العالقة التي تؤثر مباشرة على أمنها القومي والإقليمي، من خلال استخدام أدوات مثل الوساطة العسكرية والدبلوماسية الحازمة، بالإضافة إلى التدخُّلات المحدودة (من دون قوات رسمية) التي تستهدف تأمين الحدود والفضاء الاستراتيجي للجزائر، كما أن التعاون مع دول الجوار وتشكيل تحالفات عسكرية لمكافحة الإرهاب في الساحل يمكن أن يعزز من استقرار المنطقة ويُساهم في حماية الجزائر من المخاطر القادمة من الشرق والجنوب والغرب، فعلى الجزائر أن تؤدّي دورا رياديا في إنشاء منظومة أمنية إقليمية تابعة لأهدافها الذاتية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وكما يؤكد مؤلف كتاب “عن الحرب” الجنرال البروسي “كارل فون كلاوزفيتز” المتخصص في العلوم العسكرية” فإن “الحرب، بمعناها التقليدي، هي امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى”.

الدفاع عن موقف الجزائر بحزم وحسم
تشكل قضية الصحراء الغربية أحد أهم الملفات الحاسمة في السياسة الخارجية الجزائرية، وتتبنى الجزائر دعم حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، ومع التحوُّلات الأخيرة في المواقف الدولية، خاصة بعد الدعم الذي أبدته بعض الدول الكبرى للمخزن، بات من الضروري أن تُعيد الجزائر تقييم إستراتيجيتها تجاه هذا الملف، مع تفعيل القوى الصلبة، وهو ما يتطلب موقفا دبلوماسيا أكثر حزما، يستند إلى تعزيز التحالفات الدولية مع الدول الداعمة للحق الصحراوي، واستغلال المنظمات الدولية لتعزيز الموقف الصحراوي، كما ينبغي دعم الصحراويين على الأرض من خلال توفير الدعم المادي والعسكري لحركتهم التحررية، وأن يعمل الصحراويون على ضرب وتفكيك المنظومة الأمنية والاقتصادية المخزنية في الصحراء الغربية والتي ينبغي استهدافها من طرف البوليساريو بحدّة، كما أنّ على الصحراويين أن يوصلوا صوتهم من خلال القوة إلى داخل المغرب لاستنزافه وضرب استقراره، مما سيفرض واقعا جديدا على الرباط يضعها أمام معادلة يصعب عليها الاستمرار فيها من دون حلول تفاوضية جدية أو تقديم تنازلات، ولن تنفع المخزن المواقفُ الدولية الشكلية أمام لغة الميدان، كما أن الغرب نفسه يستعمل أوكرانيا لفرض ترتيبات الناتو على موسكو ويجري تمويلها بقدرات إستراتيجية لإنهاك روسيا، كما ينبغي عزل المغرب على المستوى الإفريقي، والعمل على تقليل تأثيره داخل المنظمات الإقليمية، خاصة بعد مساعيه دعم وجود الكيان الصهيوني في الاتحاد الإفريقي.
أما في ليبيا، فإن الفوضى المستمرة تهدد بتفجير الوضع الإقليمي، ما يتطلب موقفا جزائريا حازما لإعادة الأمن والاستقرار إلى هذا البلد، والعمل على الأرض وحتى من خلال حلول مؤلمة بدءا من الحلول الدبلوماسية والاستخباراتية والأمنية لتأمين حل سياسي دائم يحمي المصالح الجزائرية، وإقامة منظومة حكم تخدم مصالح ليبيا وشعبها وتحفظ للجزائر أمنها ومصالحها الإستراتيجية.
في الختام، فإن إعادة هيكلة العلاقات الجزائرية الإفريقية على أسس واقعية وإستراتيجية تمثل خطوة حتمية في ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية. ومن خلال اعتماد مزيج من القوى الناعمة والصلبة، وبناء علاقات اقتصادية متينة، يمكن للجزائر تثبيتُ نفوذها الإقليمي وحماية مصالحها الإستراتيجية، مع ضرورة الحسم في الملفات الأمنية الحاسمة مثل مالي وليبيا والصحراء الغربية لضمان استقرار المنطقة وازدهارها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!