الرأي

آه‭ ‬يا‭ ‬الحڤارين‭! ‬

جمال لعلامي
  • 4674
  • 8

..اتصلت بجريدة “الشروق” لأستفسر عن أسعار خدمة الرسالة المفتوحة فوجدت أنه يتعين عليّ أن اشتغل ستمائة وستين ساعة حتى استطيع تسديد رسوم أصغر إعلان.. لذلك لجأت إلى إرسال فاكسات إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة حول البطالة التي تخنقني منذ تخرجي سنة 2006.

وبلغ عدد الفاكسات التي أرسلتها ليومنا هذا ألفين وأربعمائة وثلاثة وثمانين فاكس لكل من رئاسة الجمهورية وقصر الحكومة وبقية الوزارات والسفارات والمديريات، فكان حالي كما قال الشاعر: قد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نفخت في النار لأضاءت ولكنك تنفخ‭ ‬في‭ ‬الرماد‭.‬

..هذه رسالة مفتوحة من قارئ بعث لي بها عبر الإيمايل -والعهدة على الرواي- بعد ما ضاقت به السبل، وسدّت كلّ الأبواب والنوافذ في وجهه، والحال أن هذه الشكوى لا تمثل هذا المواطن فقط، وإنّما تعني آلاف الجزائريين الذين قصدوا بابا لإيداع شكوى، فقوبلوا بالرفض والامتناع‭ ‬أو‭ ‬بعراقيل‭ ‬ومطبّات‭ ‬وعوائق‭ ‬لا‭ ‬حلّ‭ ‬لها‭ ‬إلاّ‭ ‬عند‭ ‬الله‭!‬

حكاية الرسائل المفتوحة والشكاوى الموجهة إلى الهيئات والمؤسسات الرسمية، هي معاناة طويلة، مرمدت ومازالت تمرمد زوالية لا حول ولا قوّة لهم، بعد ما فشلوا في العثور على من يسمع إلى انشغالاتهم، وعجزوا عن حلحلة مشاكلهم، ولكم أن تتصوروا كيف أن ولاة وأميارا ورؤساء دوائر،‭ ‬تمرّدوا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬تعليمة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬تأمرهم‭ ‬بضرورة‭ ‬استقبال‭ ‬المواطنين،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬لمن‭ ‬تنادي‭ ‬مثل‮ ‬ما‭ ‬قالها‭ ‬صاحبنا‭!‬

ما هو الحلّ يا عباد الله، بالنسبة لهذا الجزائري “الزوالي ولفحل”، وعندما يتبرّع أحد فاعلي الخير والقلوب الرحيمة بالحل، فإنه سيكون حلاّ لآلاف المُمرمدين في المدن والقرى والأرياف، ممّن يعانون آثار البيروقراطية والمحسوبية والرشوة والتشيبا والفساد و”الحڤرة” والتمييز‭ ‬والمفاضلة‭ ‬والتوزيع‭ ‬غير‭ ‬العادل‭ ‬للثروات‭ ‬والمسؤوليات‭!‬

من الطبيعي أن يخرج غاضبون إلى الشارع، وبينهم نخبة ممثلة من طرف أساتذة وأطباء وطلبة وغيرهم، يهدفون إلى إسماع صوتهم إلى أعلى المسؤولين في البلاد، طالما أن صغار المسؤولين سدّوا آذانهم ومرمدوهم بالتهميش والإقصاء والاحتقار، وربما يكون المشكل في “بلانطو” نصب حاجزا‭ ‬مزيفا‭ ‬للشكاوى‭ ‬ولم‭ ‬يوصلها‭ ‬لأولي‭ ‬الألباب‭!‬

نعم، من الطبيعي أن يستنجد المواطن برئيس الجمهورية فيُرسل له رسالة مفتوحة، إمّا عن طريق صفحات الجرائد أو بواسطة ساعي البريد، بعد ما فشل في توصيل صوته المبحوح إلى الوزير والوالي ورئيس الدائرة وقبلهم “فخامة” المير، الذي من المفروض أنه هو من يبحث عن مشاكل مواطنيه‭ ‬ويطرق‭ ‬بابهم‭ ‬ليحلها‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مقبول‭ ‬ومعقول‭!‬

من المصائب التي تقسم ظهر المشتكي، أنه لا يجد من يسمعه، وإذا وجده، بعد طول عناء، فإنه يستمع إليه “فوق القلب”، والأخطر من ذلك، أنه لا يحاول إيجاد حل لمعضلته، وبذلك، يتحوّل إلى محرّض على “خلاها”، ولا بدّ هنا أن نشير إلى مئات وآلاف الرسائل والشكاوى التي لم يظهر‭ ‬لها‭ ‬أيّ‭ ‬خبر،‭ ‬ولم‭ ‬يُفصل‭ ‬في‭ ‬مصيرها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المعنيين‭ ‬بتفاصيلها،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الطامة‭ ‬الكبرى‭!‬

قديما قالوا: اللسان الحلو يرضع اللبّة، وبالرزانة تنباع الصوف، لكن ما عسانا نقول حول مسؤولين كالأطرش في الزفة، مهمتهم تسخين الكراسي وإلهاب غضب الغلابى، وجمع الغنائم، وماعدا ذلك، لا تهمّ انشغالات وشكاوى مواطنين أصبحوا بعد طول انتظار يردّدون بكلّ مرارة.. الشكوى‭ ‬لله‭! ‬

مقالات ذات صلة