الرأي

آه يا تغبية!

جمال لعلامي
  • 2241
  • 4

يعود اليوم ولو جزئيا – في انتظار إحصاء “الخسائر” – قطاع “التغبية” إلى الاحتجاج والإضراب وعراك الراعي والخمّاس حول أرزاق الناس، والحال أن هذا القطاع أضحى مريضا يبحث عن طبيب يشخـّص داءه ويستأصل الورم الذي يحبس أنفاسه ويُبقيه داخل غرفة الإنعاش!

من الطبيعي أن تتحوّل المنظومة إلى مظلومة تغبوية، طالما أن الحرب لا تريد أن تضع أوزارها بين شركاء قطاع يغرق في النزاع والصراع، بسبب وضعية اللاّسلم واللاّحرب بين وزارة ونقابات تتعارك إلى الأبد بما حوّل التلاميذ إلى رهائن والمدرسة إلى مخبر لتعلـّم “الحفافة في روس اليتامى”!

المشكل عميق، والمؤشر سلسلة الإضرابات التي لا تريد أن تنتهي، والاحتجاجات التي لا ترفض أن تتوقف، وفي كثير من الحالات، تبقى الحسابات غامضة والأهداف مكتومة، وبين خطـّي تناحر الوزارة والنقابات، ضحايا وأضاح يتساقطون مثلما يتساقط أوراق التوت في خريف بارد!

الإشكالية، أن قطاع التربية دخل مستنقع السياسة، سواء من طرف الوزارة الوصية، أو من قبل النقابات، أو حتى من طرف جمعيات أولياء التلاميذ، فكلّ طرف يدعي ويقول “فولي طيّاب”، والأخطر أو الأسوأ من هذا المشهد فإن الجميع يغرّد ويهدّد ويتوعّد بالقول: فولتي وإلا… في الكانون!

بين “الكانون” والقانون، مسافة شاسعة، تفصل ما هو كائن، وما ينبغي أن يكون، من حلول وامتيازات لقطاع أصبح في ذيل الترتيب، من حيث الوقار والحكمة والاحترام، فآه على مدرسة زمان، ومعلـّم زمان، وآه آه آه على تلميذ الزمن الجميل!

عندما يُضطر معلم إلى فتح دكان بقالة أو عقاقير، يفتحه بعد انتهاء الحصص الدراسية، وعندما يفضل أستاذ العمل بمدرسة خاصة على العمومية، ولا يتحرّج تلميذ من التدخين أمام معلمته ومعلمه، وحين يفقد المراقب والمدير هيبته، ويتساوى قطاع يُنتج العلم والكفاءة، مع قطاعات تـُنتج المسامير والعصافير، فلا بدّ أن تسكن لغة الاحتجاج قطاعا يعيش بالبريكولاج!

عودة قطاع التربية إلى الشلل، بعد نحو الشهر عن الدخول المدرسي، دليل آخر، على الكوليرا التي تعصف بمدرسة لم تعد فقط لصناعة التربية والعلم وإطارات المستقبل، ولا يختلف اثنان، مثلما لا تتناطح عنزتان، بشأن التراجع والخيبة والإفلاس والفوبيا التي دمّرت أو تكاد تدمّر مدرسة جزائرية كانت مثالا ناجحا ونموذجا للحيوية والتنافس والقيمة المضافة!

مصيبة المصائب، وهذا بشهادة واعتراف أبناء القطاع، وأهل مكـّة أدرى بشعابها، أن المهنة فقدت طُعمها لعدّة أسباب ومتغيّرات، فلم يعد المعلم معلما ولا التلميذ تلميذا، ولا المدير مديرا، ولا المفتش مفتشا، ولا الوزير وزيرا، بالمنطق الذي كان سائدا خلال الزمن الجميل!

 

ليس بوسع “الجيل القديم”، جيل الزمن الجميل، إلاّ أن يرفع صوته واحدا موحدا، ليس لإحياء الجثث أو تحنيط الموتى، لكن لاقتباس التجارب الناجحة، في المنظومة والأدب والاحترام المتبادل والثقة، وكلها طرق نحو النجاح، ولا حاجة هنا لتجميع شهادات الأولين والسابقين ممّن أنتجتهم “المدرسة القديمة” رغم قلـّة الوسائل.. لكن بالإرادة تـُصنع المعجزات!

مقالات ذات صلة