الرأي

آياتٌ بيّنات في بيته العتيق

تهفو إلى بطن مكة ملايين القلوب طيلة العام معتمرة وحاجّة، لو أنفق كائن من كان ما في الأرض كلها ليجمع الناس على هذه المناسك مدى الحياة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولكن الأمر من الجلال والعظمة بحيث خرج عن إرادة البشر إلى إرادة أخرى لها في الحج غايات وعبر.

من لديه القدرة على إبقاء المطاف والمسعى دائبين، ينبضان بذكر الله وبالتلبية ما دامت السماوات والأرض غير الخالق تبارك وتعالى؟ الله سبحانه الذي جمع بشرا بعدد نجوم السماء، لا يعرف بعضهم بعضا، ولا يفهم بعضهم لغات بعض، أتوا من كل جهات الأرض بمشاعر إيمانية موحدة، وأحاسيس وجدانية متناغمة، فتبارك من جمع هؤلاء على هداه، ويسَّر لهم سبيل لقاه.

لهذه الآية قصة، يرويها المفسرون، في تفسير قول الله تعالى: “وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق”، “أي ناد يا إبراهيم في الناس داعيًا لهم إلى الحج إلى البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلّغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على جبل أبي قبيس المحاذي للكعبة، وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجّوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة”.

إن مشهد الناس وهي تطوف بالبيت العتيق حلقا تتوالى متحركة، يتداخل بعضها في بعض، ويختلف بعضها عن بعض، في مشهد تختلط فيه الفوضوية بالانتظام، فتكسر الرتابة المتولدة من هذا الدوران، في حركة دائبة لا تتوقف ليل نهار.

إن ذلك الطواف يتناغم مع حركة النجوم والكواكب في المجرات، ويوحي بجلال الربوبية وهيمنتها على كل المخلوقات، حينما تتجلى على عباد طائعين في الأرض كما في السماء. الطائف في الصحن الشريف والطائف في أفلاك الفضاء سيان، رغم البون الشاسع بين المطافين. إن الطائف بالبيت يلج مدار التطواف ليعلن انتماءه لعالم يسيره رب واحد لا شريك له، أتاه زائرا باذلا ما يملك من مال كي يطأ بقدميه أطهر بقعة على وجه البسيطة بحب وطواعية.

وإنَّه لمن فضل الله تعالى أن يكرِّم من دخل بيته ملبِّيا، أو اعتكف في بقعة منها راكعا ساجدا، وأي إكرام خير من ماء زلال لا ينضب معينه، استودعه الخالق بركة يروي بها حاجًّا ظمآن من شدة حرٍّ لاهب لا طاقة له على اتِّقائه. كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “زمزم لما شُرب له”. فاشرب وتمنّ من الله الأماني، فسعيك اليوم -أيها الزائر الكريم- مشكور ودعاؤك اليوم مستجاب.

ومن لطائف كرم الله سبحانه للوافدين على رحابه، أن يطعمهم إذا ما هم جاعوا، كما سقاهم لما ظمئوا، فجعل من ماء زمزم طعاما كما جعل فيه شفاء، فقال صلى الله عليه وسلم: “زمزم طعام طعم وشفاء سقم”، فأنعمْ به من ماء مبارك له في التاريخ أحسن قصة، معينه ثر لا ينضب، فيه غذاء لمن جاع، وشفاء لمن سقم، واستجابة لمن دعا، كرامات بعضها فوق بعض، يتلقى الله بها كل من ولج باب السلام مناديا: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.

ومن الآيات البيّنات التي تتكشّف لك وأنت بجوار هذا الوادي المبارك، أني احتجت إلى صرف مبلغ بالعملة الصعبة لقاء الدينار الجزائري، احتجت أن أبعث به إلى الجزائر، وعرضت على من كان برفقتي في الفندق بيع نقد أجنبي مقابل الدينار، على أن يتم تحويله في الجزائر من حساب بريدي جار إلى آخر، شريطة أن يتم ذلك في مجلس واحد خروجا من الحرج الشرعي في الربا، وبقيت أبحث أياما عديدة ولم أجد أحدا يلبي. وبينما أنا جالس في المسجد الحرام شربت من ماء زمزم حسوات، ودعوت الله أن ييسِّر لي قضاء هذه الحاجة، ثم عدت إلى موضعي من الصلاة. وبعدما أدّينا صلاة العصر ودّعني إندونيسي كان قد صلى عن يميني بلطافة معهودة على قومه، تاركا فرجة في الصف، سرعان ما رآها شخصٌ عرفت من هيئته أنه جزائري، ألقى بنفسه في المكان مستلقيا ومد رجليه إلى القبلة، فأنكرت في نفسي ما فعل الرجل. وبعد هنيهة تجاذبنا أطراف الحديث، حتى إذا ما استأنست إليه، عرضت عليه حاجتي إلى تحويل مبلغ إلى الجزائر إن كان يعرف أحدا يحتاج إلى المال هنا. فقال لي “لا بأس، لدى صلة بالبريد في مدينتي، وإن كان لديك رقم حساب من تريد إرسال المال إليه أحوله لك على الفور الآن عبر الأنترنيت”، وجرت العملية بين قوله تعالى: “كن فيكون”!

كما أنني أحسست نهار يوم حار بلذعة الجوع، فارتقيت جبل المروة لأخذ لقيمات يسددن جوعتي. وبينما أنا آكل رمق حاجٌّ أعجمي بعينيه ما أحمل من تفاحتين حمراوين بيدي، كأني به قد أصابه ما أصابني. تردَّدت بادئ الأمر في أن أناوله إحدى التفاحتين لنيّتي المكوث طوال النهار في حرمه الشريف. ثم دافعت رغبتي الاحتفاظ بهما معا وناديت عليه بواحدة منهما، وقلت في نفسي: “الله يعوضني عنها خيرا”. أقبل الرجل عليّ فرحا وغادرني شاكرا. لم تمض إلا دقائق حتى أقبل إليّ رجلٌ بدت عليه من سيماه أنه يمني، يحمل بيده شيئا وضعه في يدي وقال لي: “هذا زبيبٌ أصيل من اليمن السعيد، مخلوطة حبّاته مع فستق لذيذ”. انتابني شعور ساعتها بأنه خلفٌ معجَّل من الله تعالى على تلك التفاحة! كما أدركت من الحادثة مصداق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم): “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، في الطعام المناسب حمله في الحرم وفي كل سفر، فبين تفاح أحمر تخضمه أمام الحجيج، وبين زبيب وفستق تحمله على خفة وتأخذ منه كلما احتجت، فرق ظاهر لا تخطئه العين.

لعل الله أراد أن يعجّل بعض الجزاء لكل من زار رحابه الطاهرة بمكة المكرمة قبل يوم اللقاء. وأكرم بها من مثوبة معجلة يراها الناس على محيا الحاج عندما ينقلب إلى أهله مسرورا! إنه ضياء يكسو الله به وجه المغفور له عبرة للناظرين. وهذه الآية مفحِمة للمعاندين، الذين لا يرون من الحياة الدنيا إلى ظاهرها، فتُعجزهم هذه الكرامة وتخرسهم فلا يجدون لها تفسيرا ولا يملكون لها إلا عنادا. وهي بالنسبة للمؤمنين بالغيب محرِّض لأن يشدُّوا الرحال إلى أول بيت وُضع الناس؛ وهكذا تمضي إرادة الله سبحانه ولا راد لها من خلقه، استجابة لدعوة إبراهيم (عليه السلام): “ربِّ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون”.

بمئة ألف صلاةٍ الصلاةُ في المسجد الحرام؛ أي أن الصلاة الواحدة تعدل في الأجر أكثر من خمس وخمسين سنة تؤدَّى فيها الصلاة في مسجد غير المسجد الحرام. وإذا جمعنا إلى هذه السنوات بضعة عشر سنة أخرى يبلغ فيها الإنسان سن التكليف، فإنه يحصل لدينا عمرٌ يناطح السبعين، و”أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك”، كما قال الذي لا ينطق عن الهوى.

بمئة ألف صلاةٍ الصلاةُ في المسجد الحرام؛ أي أن الصلاة الواحدة تعدل في الأجر أكثر من خمس وخمسين سنة تؤدَّى فيها الصلاة في مسجد غير المسجد الحرام. وإذا جمعنا إلى هذه السنوات بضعة عشر سنة أخرى يبلغ فيها الإنسان سن التكليف، فإنه يحصل لدينا عمرٌ يناطح السبعين، و”أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك”، كما قال الذي لا ينطق عن الهوى “إن هو إلا وحي يوحى”.

لم يكُن القرضُ الحسن الذي أقرضه الحاج والمعتمر لله سبحانه، ليذهب سدى وقد وضعاه في يد من يضاعف الأجر أضعافا كثيرة، فليحسن الظن بالله كل من عزم على المتابعة بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى لن يخيّب ظن عبده به وبحياة كريمة سيحياها حتى الممات. إن الحاج الذي بذل من ماله نصاب الغنى دفعة واحدة لجديرٌ بالمثوبة في الدارين، وإنه لتأمين مشروع من الفاقة والذنوب مدى العمر إن شاء الله.

عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ”. قد يتردد كثيرٌ من الناس في بذل ما اكتسبه من مال بمشقَّة طوال حياته في طاعة واحدة، ممنِّيا النفس بفعل ذلك في قابل الأيام، ومتمنِّيا على الله الأماني. قال تعالى: “من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”. فأبشروا أيها العباد بموعود الله، فوعده صادقٌ لا ريب فيه!

لم يكُ القرضُ الحسن الذي أقرضه الحاج والمعتمر لله سبحانه، ليذهب سدى وقد وضعاه في يد من يضاعف الأجر أضعافا كثيرة، فليحسن الظن بالله كل من عزم على المتابعة بين الحج والعمرة، فإن الله تعالى لن يخيّب ظن عبده به وبحياة كريمة سيحياها حتى الممات. إن الحاج الذي بذل من ماله نصاب الغنى دفعة واحدة لجديرٌ بالمثوبة في الدارين، وإنه لتأمين مشروع من الفاقة والذنوب مدى العمر إن شاء الله.

يُحرم أكثر المعتمرين والحجيج من الوصول إلى الحجر الأسود وتقبيله عند كل شوط من أشواط الطواف كما في السنة المطهرة، وحتى لمسه باليد أو بشيء ما بات متعذرا لشدة الزحام عليه؛ لذلك يلجأ الطائفون إلى البديل الثالث المتمثل في الإشارة إليه من بعيد، ومن ثم يشرعون في الطواف. يتأسف الناس على حرمانهم من تقبيل الحجر رغم وجود بدائل، ويلقون باللائمة على الزحام وضيق المكان، وترك التقبيل من أجل الأذى مندوب إليه في السنة النبوية المشرَّفة. بيد أن معادلة تقبيل الحجر الأسود ولو لمرة واحدة خلال الطواف لم تُعرض على الأذكياء من الأمة، الذين يمتلكون براعة ذهنية في فك الألغاز مهما تعقدت. وإذا بقي الحال على ما هو عليه اليوم أبد الدهر، فلن تكون هنالك فرصة للناس كيما يأخذوا بفعل المصطفى (صلى الله عليه وسلم)؛ لذلك يحسن بالهيئة المشرفة على الحرمين طرح الموضوع على المسلمين جميعا لتتبارى العقول في إيجاد مخرج شرعي، يتيح لقاصدي بيته المعظم تقبيل حجر الجنة مرة واحدة على الأقل، تكون لهم زادا روحيا في الحياة الدنيوية، وذخرا لهم يدَّخرونه للحياة الأخروية.

التلاوة الحسنة في حق من يؤمُّ الناس للصلاة الجهرية مطلوبة، خاصة في الحرمين الشريفين، فإن للقرآن الكريم حين يُقرأ في المسجدين وقعٌ خاص، تنصت للآيات الكريمات وكأنك تسمعها لأول مرة، أو كأنه أدم بينك وبينها فأصبحت تتذوّقها كما لم يحدث لك من قبل؛ لذلك تجد من المصلين ممن لا يفقه اللسان العربي متأثرا أشد ما يكون التأثر والإمام يتلو آيات في صلاة جهرية. والملاحظ في هذا المقام، أن للحرمين الشرفين طاقما متنوعا من الأئمة القراء، لكل واحد منهم صوته الخاص وأداؤه المتميز. وأذكر هاهنا مثلين هما الشيخان ياسر الدوسري وخالد الغامدي، فقد أوتي كل منهما مزمارا يحبر به القرآن الكريم تحبيرا.

يقدِّر الحمام الزاجل أحكام الحرم أحسن تقدير، ولعله أكثر الطيور سعادة بها. ولقد سألت بعضا من عمال النظافة الآسيويين عن سلوك هذا الطائر داخل الحرم فأخبروني مستيقنين بأن الحمام يدخل ويخرج ولا يؤذي الحجيج بشيء، ولا يشغلنا بتنظيف ما يطرحه من مخلّفات لأنه لا يفعل ذلك داخل المسجد الحرام إلا قليلا. ألححت على من سألت: هل هذا معقول؟ فقال لي وهو عنّي لاه: “هذا الذي أخبرناك به نراه، نحن العمال، على الدوام”!

يقدِّر الحمام الزاجل أحكام الحرم أحسن تقدير، ولعله أكثر الطيور سعادة بها. ولقد سألت بعضا من عمال النظافة الآسيويين عن سلوك هذا الطائر داخل الحرم فأخبروني مستيقنين بأن الحمام يدخل ويخرج ولا يؤذي الحجيج بشيء، ولا يشغلنا بتنظيف ما يطرحه من مخلّفات لأنه لا يفعل ذلك داخل المسجد الحرام إلا قليلا. ألححت على من سألت: هل هذا معقول؟ فقال لي وهو عنّي لاه: “هذا الذي أخبرناك به نراه، نحن العمال، على الدوام”! ويبقى سطح الكعبة المشرَّفة الناصع البياض طوال الدهر، والذي يعاينه الناس من كل أرجاء المعمورة على المباشر في الفضائيات، أقوى دليل على منعة هذا البيت وتنزهه عن الدنس والأدران، رغم كونه ملاذا آمنا للحمام الزاجل كيما يحط عليه، ويبني أعشاشه فيه.

مقالات ذات صلة