أبرياء.. في شبكة غير بريئة!
الاستمالة، التخويف، التحرش، التدخل في الخصوصية العائلية، التسلط، التحايل، الصور العنيفة، إضاعة الوقت، العنصرية، الغش الرقمي، الاحتيال، الخداع، التغرير، الصور والأفلام الخليعة… كم هي طويلة قائمة الضغوط التي يتعرض لها أبناؤنا وتتعرض لها بناتنا يوميا عبر الإنترنت. وكم هي قصيرة قائمة المواضيع التي تصنع منهم متعلّمين مبدعين قادرين على مواجهة مصاعب الحياة. فهل أجيالنا الصاعدة تستفيد بحق من الإنترنت حتى نخشى انقطاعها؟ وهل نحن مستفيدون بحق من الجيل الثالث والرابع حتى نعتبر أنفسنا متخلفين عن الركب؟
يبدو أنه حان الوقت اليوم لنطرح مثل هذه الأسئلة الوجيهة المتعلقة بالإنترنت على أنفسنا، وبطريقة أكثر جدية مما عرفنا في السنوات السابقة، بدل أن نغطي رؤوسنا في الرمال وننتظر هذا الجيل يكبر ونحن لا ندري ما الذي فعلته به شبكة الشبكات.
كل بلاد العالم المتقدم اليوم لديها برامج وطنية تحسيسية عن مخاطر الإنترنت على الأجيال الصاعدة، كبرى الشركات المصنعة لبرامج الحواسيب تتفرغ بطلب من حكومات الدول التي ابتكرت الإنترنت، ومن المجتمع المدني، والمنظمات الحكومية المدافعة عن حقوق الطفل، لتطوير برامج تحمي مستقبلها ومستقبل أبنائها وتمنع عنهم الانزلاق نحو انحرافات يعرفون مسبقا أنها لن تعالَج إذا ما تم الانتباه إليها بعد فوات الأوان…
أما نحن، فنتصرف وكأننا في منأى عن كافة هذه المخاطر.. قليلة جدا هي إجراءات الحماية التي تتخذها هيئاتنا الرسمية ونادرا ما يقوم بذلك الأولياء، وفي كثير من الأحيان عن جهل بمخاطر هذه الشبكة العنكبوتية القاتلة.
لذا أصبح لزاما علينا اليوم، إذا كنا نَسعد بعودة الإنترنت بعد انقطاع قصير، أن ننظر بعين ثاقبة إلى مستقبل هذا الجيل الذي وُلد وبيده الهاتف النقال أو الحاسوب أحيانا، من غير رقيب ولا حسيب، أن نتصرف أولا كأمة لها منظومة قيم وأخلاق، وثانيا كجزء من إنسانية بأكملها أصبحت تُقِيم الدنيا ولا تُقعدها لحماية الأطفال من مثل هذه المخاطر.
لا تكفي تلك البرامج الحكومية المحتشمة التي أعدتها هذه الوزارة أو تلك، ولا تكفي صيحات هذه الجمعية أو تلك، ولا تكفي الإجراءات الأخيرة التي اتخذت لحماية المجتمع بشكل عام من مخاطر الإنترنت، بل ينبغي تخصيص مخطط استراتيجي قائم بذاته مهمته الوحيدة حماية الجيل الصاعد من مخاطر الإنترنت، تُسند فيه المهمة إلى وزارتي التربية والبريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال أساسا، للعمل مع كافة الشرائح الاجتماعية إعلاميا وثقافيا وعبر كافة الوسائل المبتكرة عالميا لحماية الأبرياء من هذه الشبكة غير البريئة.. طبعا إذا أردنا للأمل أن يبقى.