“أبغض الحلال” دمّرنا!
غيوم اليأس والإحباط التي تُلبّد سماء الجزائريين من فرط الضغط الذي يتغذى من صحون أزمة السكن والبطالة ومختلف أشكال الغبن، أمطرت الأسرة الجزائرية بوابل من المشاكل، لتقذف بها إلى غياهب التفكك والتمزق، في نهاية مؤسفة نسفت رابطة شرعية مقدّسة اسمها الزواج، وأضحت تُهدّد صلابة وتماسك مجتمع نخره “سرطان” الطلاق وما أدراك ما الطلاق، الذي دمّر حياة أطفال في عمر الزهور، وجدوا في الشارع ملاذا، يتعلّمون فيه شتى صنوف الانحراف والفساد الأخلاقي، والأخطر من ذلك هي العقد النفسية التي تلازمهم طيلة مشوارهم الحياتي؛ فتصنع منهم المنحرف والقاتل واللص ومدمن الكحول والمخدرات!
الأرقام المرعبة التي كشف عنها، مؤخرا، الطيّب لوح وزير العدل حافظ الأختام بخصوص معدلات الطلاق، حملت رقما مزلزلا قوامه 68 ألف حالة فكّ لرباط الزوجية في 2017، والحصيلة مرشحة للارتفاع في السنة الجديدة. الرقم إذن مهول وما زاد في هوله هم آلاف الأطفال، الذين يتأثرون نفسيا ويضطربون عقليا بسبب صدمة طلاق الوالدين، اللذين كانا إلى وقت قريب عنوانا للأمن والأمان والحب والعطف والحنان. كيف يُمكن لتلميذ صغير بإحساس كبير، أنّ يتحمل مشهد آباء وأمهات اصطفوا أمام باب المدرسة ليحضنوا أبناءهم، إلا هو كان في استقباله أمّه في غياب والده، الذي يخوض حروبا في المحكمة للظفر بحضانة ابن فرّط فيه؟ هو مثال بسيط في ظاهره عميق في دلالته النفسية والاجتماعية.
كيف لا يكون بيننا مجانين ومضطربون نفسيا ومدمنون على المخدرات والخمور والمهلوسات وسائر السموم وقد حرموا من نعمة الاستقرار في بيوتهم بين آبائهم وأمهاتهم؟ كيف لا يتزايد عدد المحبطين واليائسين والهاربين من واقعهم؟ ألا يتحمّل المطلّقون جزءًا من المآسي التي كان أبطالها أو ضحاياها فلذات أكبادهم؟
68 ألف حالة طلاق في بلادنا، معناها 68 ألف فشل سيكتوي بآثاره مجتمع برمّته وليس فقط أولئك الأطفال وأوليائهم، الذين فضّلوا “أبغض الحلال عند الله”، ليحلّوا مشاكلهم الشخصية، التي كانت في غالب الأحيان تافهة، ويمكن حلّها بالصّبر والحكمة والموعظة الحسنة. ولكن هيهات لـ”من تقرأ زابورك يا داوود”، فقد غابت لغة التعقل وقراءة عواقب الأمور وحلّ محلّها التسرّع والانفعال.
إذا كان البعض يبرّر الطلاق بوجود أسباب حقيقية يستحيل معها مواصلة الزوجين الدّرب معا، على غرار الخيانة الزوجية وسوء الأخلاق، أو إصابة أحد الطرفين بعاهة عقلية أو نفسية؟ فكيف يمكن تفسير فكّ أقدس علاقة بين المرأة والرجل بسبب طبق حمص أو عدس أحرقته ربة البيت وهي منشغلة بمتابعة مسلسل نور ومهنّد أو العشق الأسود؟ من نلوم الزوج، أم زوجته، أم المحيط الاجتماعي، أم القوانين؟
الحقيقة هي أنّ الكل مسؤول عن هذا الدمار الاجتماعي الذي تسبّب فيه سرطان الطلاق، لأننا لم ننتج أفرادا واعين بقيمة رابطة مقدسة وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بـ”الميثاق الغليظ”، ولم نؤسس لمجتمع صلب يرتكز في المقام الأول على دعائم أخلاقية ودينية قوامها التربية الحسنة، التي يتلقفها الناس من آبائهم وأمهاتهم قبل المدرسة والمسجد. لا يمكن للظل أن يستقيم والعود أعوج، كذلك بالنسبة للمجتمع؛ فمستحيل أن ينعم بالاستقرار والسكينة ومئات الآلاف من الأسر فكّكها “أبغض الحلال عند الله”.