-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أبو القاسم خمار.. هذا “النسّاي” الظريف!

محمد بوعزارة
  • 913
  • 0
أبو القاسم خمار.. هذا “النسّاي” الظريف!

يقول الصديق الراحل الشاعر عمر البرناوي في تقديمه لديوان (ربيعي الجريح  لصديقه المرحوم الشاعر الكبير بلقاسم خمار الذي نحيي أربعينية رحيله، يقول: (إنه ضحوك.. لا تفارق البسمة شفتيه.. صاحب نكتة ومداعبة، يرويها أو يصنعها صنعا لمداعبة أصدقائه من دون النيل من شخصياتهم، إنه يرفض ازدواج الشخصية، ويطلب من الشاعر بالخصوص أن لا يكون ملتزما في شعره فقط بقضايا الوطن، بل يجب أن يَظهر هذا الالتزام أولا وقبل كل شيء في السلوك، وهكذا فإنك لا تكاد تجد ازدواجية في شخصية شاعرنا خمار).

صدق الراحل عمر البرناوي في وصفه للشاعر الراحل خمار.

كان الصديق عمر البرناوي هو واسطة العلاقة بيني وبين الراحل خمار في مطلع سبعينيات القرن الماضي.

كان البرناوي أستاذا في ثانوية “عبان رمضان” وصحافيا في جريدة “الشعب” ثم  زميلا مذيعا ومنتجا لعديدِ البرامج الإذاعية والتلفزيونية. كان البرناوي، رحمه الله، يتابع مقالاتي وخصوصا ذات الطابع الفني التي كنت أكتبها في مجلة “الأثير” التي كانت تصدر عن الإذاعة والتلفزيون في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وعندما أصبح البرناوي رئيسا لتحرير مجلة “ألوان” التي كان على رأسها صديقه خمار، وجدت البرناوي يتصل بي ذات يوم ويطلب مني أن أحضر إلى مقر المجلة الواقع آنذاك بشارع حسيبة بن بوعلي، ثم راح يقدّمني لصديقه خمار وهو يبتسم كعادته بروحه الخفيفة قائلا: “هذا هو صهركم الأقواطي الذي لا تعرفه”، وهو يشير طبعا بذلك للسيدة جميلة بن عية، زوجة المرحوم خمار، أصيلة الأغواط وأمّ لؤي وأنس، أطال الله عمرها.

طبعا البرناوي تعمّد نطق الغين قافا بالنسبة للأغواط كما ننطقها في الأغواط وفي عدة مناطق من الوطن وحتى في بعض الدول العربية إذ يتم تحويل الغريب إلى قريب والغاز إلى قاز.

كنتُ تلك الفترة طالبا بالمدرسة العليا للصحافة وفي بدايات عملي بالإذاعة، ولا أدري إنْ كنتُ قد نلت رضا الراحل خمار في لقاء التعارف الأول، إذ راح سي خمار يتأمّلني من تحت نظارته السميكة، وكأنني به يقول للبرناوي: أهذا هو الصحافي الذي أتيت لي به ليكون معنا في المجلة إلى جانب الكبار من أمثال التلي بن الشيخ وأبو العيد دودو وعبد المجيد بن حديد وعبد الحميد بوشنافة ومحمد الأخضر السائحي وغيرهم من الذين يكتبون في المجلة؟.

ولكن يبدو أن الموضوع الأول الذي كتبته لمجلة “ألوان” ووقّعته باسم “عبد الله بن قدور” قد بدَّد تلك الصورة التي تكون قد دارت بذهن الراحل خمّار قبل ذلك المقال.

كان ذلك الموضوع حول المشاريع التي كانت تقوم بها الكوميدور، وهي هيئة تقنية كانت تابعة لرئاسة الجمهورية استحدثها الرئيس هواري بومدين مطلع سبعينيات القرن الماضي من أجل التخطيط العمراني الشامل مستقبلا لمدينة الجزائر، وعيّن على رأسها الأمين العام للرئاسة الدكتور محمد أمير رحمه الله.

وبمجرد أن سلّم البرناوي ذلك الموضوع للراحل خمّار، وجدت البرناوي يطلب مني أن أرافقه إلى مكتب مدير مجلة “ألوان” المرحوم بلقاسم خمار، وإذا به يعانقني ويهنّئني على الموضوع، ثم صار الراحل خمّار يدعوني إلى مكتبه كلما علم بوجودي في مقر المجلة ويقوم بتقديم الشاي أو القهوة لي بنفسه ونتبادل بعض الأفكار في حوار ودّي خال من كل تكلف أو تعال من جانبه.

كانت مجلة “ألوان” تلك الفترة من أرقى المجلات الثقافية مضمونا وشكلا وأكثرها توزيعا في الوطن، إذ كانت تطبع آلاف النسخ وتنفد في الأسبوع الأول من صدورها.

هكذا كانت بداية العلاقة الجميلة مع هذا الشاعر المرهف والصحافي المبدع خمّار، رحمه الله، وهي العلاقة التي لم تنقطع بعد ذلك، إذ كنت أتصل به بالهاتف بين حين وآخر بعد أن تركت العاصمة خلال الثمانينيات ومطلع التسعينيات عندما كنت على رأس محطة التلفزيون بورقلة.

وانطلاقا من تلك العلاقة كتبت في 2016 مقالا نشرت مقالا في جريدة “الجمهورية” تحت عنوان:

خمّار: هذا النسّاي الظريف..

ثم ضمّنت ذلك المقال في كتابي:

قصتي مع الكتابة والصحافة.. حكاياتي مع السياسة، الصادر في 2020.

وسأحاول أن أختصر لكم هذا المقال مضيفا له بعض الفقرات التي يتطلبها الموقف بعد رحيل هذا الرمز الثقافي والوطني الكبير من أعلام الجزائر، والذي يجب أن لا تقتصر عملية تذكّره فقط من خلال ندوة أربعينية كهذه، ثم يلفّه النسيان كما لفَّ غيره من عشرات إن لم أقل مئات المبدعين والمفكرين والعلماء والمثقفين في هذا البلد، فننساه كما نسينا غيره من رجالات الجزائر ونسائها إذ لا نتذكرهم إلا عبر رسائل التعزية عند موتهم

أو في ندوات تصادف أربعينيات رحيلهم.

توقف الراحل بلقاسم خمار عن الكتابة منذ سنواتٍ خلت والراجح منذ 2003، إذ لم يعد ينظم الشعر، وقد كان الشعر يسكنه على امتداد أكثرَ من سبعين عاما، فقد بدأت علاقتُه مع نظم الشعر مبكرا في سنّ الثانية عشرة عندما كان تلميذا في المراحل الأولى من التعليم في عاصمة الزيبان بسكرة، وهي السن نفسها التي أمّ  فيها الناس لمدة 15 ليلة متتالية في صلاة التراويح بمدينة بسكرة أثناء شهر رمضان بعد أن طلب منه والدُه الإمام ذلك، ومنذ تلك الليلة أصبح الطفل شيخا إماما في مدينة تزخر بالأئمة والعلماء الشيوخ من كبار السن.

في تلك المرحلة المبكّرة، كان الطفل بلقاسم مسكونا بحب الجمال والفن والشعر، فقد أحب الطفل الناي والعود والكمنجة وغنّى لنفسه ومع أصدقائه حتى وصفوه بعبد الوهاب.

وأحبّ الرسم وظل يرسم إلى وقت متأخر، لكن الرسم والوطنية والصلاة كانت هي السبب المباشر في طرده من المدرسة النظامية الاستعمارية الفرنسية، فقد جاءه المعلم الفرنسي وهو في سنواته الأولى بالمدرسة، وراح يتأمل رسمه وهاله أن يرسم ذلك الطفل ــ وهو في تلك السن العلم الوطني الجزائري ــ الذي لم تكن تعرفه إلا القلَّة القليلة من الجزائريين الكبار بما فيهم بعض المتعلمين .

اعتبر المعلم الأوروبي المتعصّب لعلم فرنسا تلميذه خمَّار مشروع فلَّاق قبل الأوان فقام بطرده من المدرسة على الفور، ثم توسَّط له أبوه لدى أقاربه ومعارفه وأدخله مدرسة أخرى، وطرد منها كذلك مرة أخرى .

جاء والده في ذلك اليوم من أيام الجمعة إلى المدرسة التي يدرس بها نجله التلميذ بلقاسم، وطلب منه أن يرافقه إلى الجامع للصلاة .لكن المعلم الفرنسي امتنع عن إخراج التلميذ من القسم، ليس حرصا منه على تلميذه بل لأنه كان يبغض أن يراه -وهو المسيحي المشبع بالأفكار الكنسية والعنصرية ضدّ الإسلام- يصلي في المسجد، وقال لوالده لن يخرج إلا مطرودا، وهكذا خرج التلميذ بلقاسم مرة أخرى مطرودا، ولكنّ عزيمته كانت أكبر.

أرسله الوالد، رحمه الله، إلى معهد “عبد الحميد بن باديس” في قسنطينة لاستكمال الدراسة، وفي هذا المعهد الذي بدأ فيه نضجه الوطني والسياسي يظهر مبكّرا لم يكن يكتفي بنظم الشعر فقط، بل كان يحضر الندوات كما يذكر البرناوي ذلك، وكان يلقي بعض الخطب الحماسية في تلك الندوات.

وبعد أربع سنوات قضاها في قسنطينة شدّ الشاب خمّار الرحال إلى تونس وبقي فيها عامين  ليجد نفسه ضمن أول بعثة طلابية ترسلها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى سوريا التي نال فيها شهادة الليسانس في الفلسفة وعلم النفس ثم راح يدرّس هناك.

ومع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 انبرى للنضال عن الوطن بقلمه وصوته، ورافع لصالح الثورة عبر إذاعة دمشق التي كانت تبثّ برنامج صوت الثورة الجزائرية إلى جانب عدد من أبناء الجزائر من أمثال محمد مهري وعبد الحميد مهري ومحمد الصغير بلعلام وغيرهم.

ومع استعادة الاستقلال في 1962 عاد للوطن عام 1963 بعد غربةٍ دامت عشر سنوات كاملة،

كان سي بلقاسم مناضلا يسكنه حب الوطن حتى وهو بعيد عن تربة الوطن، وكان شاعرا مرهفا، وكان صحافيا بارعا، وكان إذاعيا يعرف كيف يوصل الكلمة سلسة جميلة، فتصل إلى قلب المستمع قبل أن تتسمعها الأذن، وفوق هذا وذاك، كان الراحل بلقاسم خمّار رجل دولة تولى عديد المناصب بوزارتي الشباب والرياضة والإعلام والثقافة.

وعندما نذكره شاعرا فإننا نجده قد كتب في الحب وتغنى بالجمال، وكتب عن الثورة

وللثورة، كتب بل ونظَم الشعر حتى عن بعض مظاهر الإثراء غير المشروع بعد استعادة الاستقلال، إذ يقول بهذا الصدد في قصيدة: زفرات ووخزات:

جلّ اللصوص اكتنزوا بالمالِ

تسلَّقوا الخيوط كالدّوالي

فارتفعوا في أسطح المعالي

والشرفاءُ.. ضعفاءُ السَّاق

تاهو، وضاعوا داخل الأوحال.

عندما تتصل بالمرحوم عبر الهاتف تحس كم كان مرهق النفس من تعب السنين وتعب الغربة التي لازمته مدة قاربت أربعة عشر عاما امتدت على مرحلتين، مرحلة ما قبل الثورة وأثناء الثورة ومرحلة التسعينيات التي اضطرته للهروب بجلده بعد أن تلقى تهديدات بالقتل مثله مثل العديد من الجزائريين والجزائريات من حمَلة الفكر والقلم والوطنية الذين حصدتهم آلة الإرهاب في تلك السنوات الحمقاء.

جاء والده في ذلك اليوم من أيام الجمعة إلى المدرسة التي يدرس بها نجله التلميذ بلقاسم، وطلب منه أن يرافقه إلى الجامع للصلاة .لكن المعلم الفرنسي امتنع عن إخراج التلميذ من القسم، ليس حرصا منه على تلميذه بل لأنه كان يبغض أن يراه -وهو المسيحي المشبع بالأفكار الكنسية والعنصرية ضدّ الإسلام- يصلي في المسجد، وقال لوالده لن يخرج إلا مطرودا، وهكذا خرج التلميذ بلقاسم مرة أخرى مطرودا، ولكنّ عزيمته كانت أكبر.

عندما عدتُ لتصفّح بعض أعداد مجلة “ألوان” التي كان خمّار يشرف عليها إذ حرص على وضع مجموعة منها كل مرة في مجلد خاص، لاحظت أن خمّار كان يساهم إلى جانب مسؤولياته الإدارية في تحرير 4 مواضيع ضمن كل عدد من المجلة، من بينها صفحة “مطارق” وصفحة “مذكرات نسّاي”..

وقد كانت كتابته وهو الصحافي المتميز والأمين العامّ لاتحاد الكتاب الجزائريين تتميز بالنقد الساخر الذي يتسم مع ذلك بالموضوعية لبعض المظاهر الاجتماعية، فقد كان يتصور نفسه “نسّايا” ينسى أبسط الأشياء، فيكتب ذلك في شكل مقال بطريقة هزلية ساخرة في صفحة )مذكرات نسّاي(، منتقدا بعض المظاهر الاجتماعية السلبية، مصورا نفسه ينسى أبسط الأشياء وهو ينتقد من وراء ذلك مظاهر لا يريد نقدها بشكل مباشر .

والحقيقة أن خمّار لم يكن “نسّايا” على الإطلاق أو فاقدا للذاكرة حتى في السنوات الأخيرة من عمره رغم تقدمه في السن، فقد كان صاحب ذاكرة قوية متقدة يتذكر أبسط الأشياء ومعظم الأحداث التي عاشها في مراحل سنين الطفولة والشباب .

مع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، انبرى للنضال عن الوطن بقلمه وصوته، ورافع لصالح الثورة عبر إذاعة دمشق التي كانت تبثّ برنامج صوت الثورة الجزائرية إلى جانب عدد من أبناء الجزائر من أمثال محمد مهري وعبد الحميد مهري ومحمد الصغير بلعلام وغيرهم.

فكم يحتاج أمثالُ محمد بلقاسم خمار ــ الذي تفضلت وزارة المجاهدين مشكورة بطبع أعماله الشعرية في مجلدين ضخمين من تقديم الباحث الناسك في التراث الشعبي المرحوم التلي بن الشيخ رحمه الله ــ إلى أكثر من وقفة وإلى أكثر من تكريم، وأن لا ينسى هذا النسّاي الظريف الذي كان يتعمد النسيان في مقالاته الهادفة، وأن تحمل إحدى المؤسسات  الثقافية أو الشوارع أو الأنهج اسمه وأن تقام له ندوات تعرف فيها الأجيال من هو بلقاسم خمّار، هذا الشاعر وهذا الصحافي وهذا المناضل والوطني لكي لا يكون نسيا منسيا في وطن لا نريد أن تكون أجياله الحالية والمقبلة جاحدة لأفضال عظماء رجالها وصانعي أمجادها.

وكم يجب على هذا الجيل أن يطّلع على ما قام به أمثال محمد بلقاسم خمّار لصالح الوطن والثقافة .

إن على هذا الجيل أن لا ينسى أمثال هذا الشاعر الذي أنشد يقول بعد مرور عام على ثورة أول نوفمبر، أي في الأول من نوفمبر عام 1955 في قصيدته “إلى الأمام” التي نشرها بدمشق.

إيه يا ثورتنا يا حلمنا القاني المفدّى

عانقي في عامك الثاني شبابا رام مجدا

باركي في أمسك الماضي ضحايا الخلدِ خلدا

حرّكي فينا، وزيدي، حرّكي زندا فزندا

إنّ للمظلوم يا ثورتنا الحمراء رفدا

حقُّنا لابد أن نأخذه أخذ الكرام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!