أثر الثورات العربية على منظومة حقوق الإنسان
الربيع العربي كان ربيعاً على المنظومة الحقوقية في العديد من الدول العربية، فمنهم من أدخل تغيرات جذرية على منظومته ( تشريعاً وممارسة ً ) كما في مصر، ليبيا، وتونس ومنهم من استعجل الأحداث خوفاً من وصول بعض من نسيم ورحيق زهور الربيع العربي، فلجأ إلى تحسين منظومته التشريعية في مجال حقوق الإنسان، سواء كانت تحسينات هيكلية، أو جوهرية .
أما الفئة الثالثة، فقامت بخطوات، على قدر احتشامها، إلا انها تعتبرها خطوات صغيرة و جريئة نحو الاتجاه الصحيح في مجال الحفاظ على الضمانات الثانوية لحقوق الإنسان وآدمية الفرد العربي .و ذلك يعتبر أثراً إيجابياً على تحسين المراتب في مجال الحماية للعديد من الدول العربية، وانكمشت رقعة الانتهاكات الجسيمة، وغيرها من أصناف التنكيل والتعذيب . فالمشوار أصبح معلناً، والغير مصرّح به أصبح مكشوفاً، وأسقطت العديد من الجدران المزيفة في مجال حقوق الانسان . فالكل أصبح يتكلم عن الفساد، والرشوة، والتهميش، والإقصاء، وحقوق المرأة، دونما خوف أو سلطان . فالخوف الوحيد هو خوف الضمير والسلطان هو القانون . فانتقلت الانتهاكات، من انتهاكات الدول إلى انتهاكات الجماعات والأفراد ، فالبعض على حين غرة وبدون إعداد مسبق، لم يستوعب بعد ثقافة حقوق الإنسان بعد الربيع العربي .
و هذه من أكبر التحديات المفرطة على نشطاء حقوق الإنسان، فكيف يمكن الارتقاء بجموع الشعب لهذه الثقافة ؟؟ وكيف يمكن استيعاب الآخر دونما تجريح أو تنكيل مادي أو معنوي أو لفظي ؟؟ فثقافة حقوق الانسان، و تفعيل المجتمع المدني، وإرساء نظام شفاف للتعبير المؤسساتي .
تحديات أخرى في مضمار حقوق الانسان، وضمان احترامها، إلا أن المؤشرات الأولية تبشّر بالخير، فلأول مرة نزعنا من القاوس الانتخابي نسبة ( الـ 99% ) من نتائج الانتخابات .
و لأول مرة بتنا نسمع مسؤولين في هرم السلطة عن سياسيين يقدمون استقالتهم لعدم الانسجام أو الاختلاف في الرؤى والمنهجية .
و لأول مرة تضع البلدان دستوراً توافقياً،بعدما كان يصاغ أفقياً تغييباً عن الشعب وتطلعاته، آماله وآلامه ..
و لأول مرة أصبحت لدينا معارضة قوية، بإمكانها إسقاط حكومات بقوة القانون وهباته
كل هذه مؤشرات يجب علينا دعمها وإرشادها من خلال إرساء ثقافة حقوقية في منظومتنا التعليمية داخل المجتمع المدني .
إن جعل تنمية حقوق الانسان من الأولويات الأساسية في ظل الحراك الحاصل على مستوى العالم العربي والارتقاء بالجعيات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الانسان لن تكون أكثر هيبة ً بعيداً عن التسييس، والازدواجية في التحليل والاستقراء .
دعم المنظومة التشريعية والدستورية في مجال حقوق الانسان يكون بالارتقاء بأحكامها من القواعد المكملة إلى القواعد الملزمة، فالربيع العربي كان ربيعاً في مجال حقوق الانسان، وصيانة كرامة الفرد العربي، كما انه قد يمكنك أن تدوس على زهرة
و لكن بتاتاً لا يمكنك ان تمنع حضور الفصل فصل الربيع لذلك فإن البعض الآخر يرى أن الربيع العربي خلق خللاً في المجتمعات العربية من فوضى وازمة متعددة الجوانب، وتراجع في جوانب ومجالات متعددة .
قد يكون هؤلاء محقين إذا ما نظرنا للرسم البياني في جزئياته، وليس نظرة كلية عليه . قد ننظر للمنحدر، دون النظر للارتقاء في الصورة الكلية الأخرى !!
و البعض قد ينسى أن العديد من الثورات التي أنجبت العديد من الوثائق المرجعية والفلسفة في مجال حقوق الانسان، كالثورة الفرنسية مثلاً، التي أنجبت الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن والمكناكارثا في بريطانيا التي كانت ولادتها قيصرية عسِرة، على واقع الدماء والدمار . وبعد فترة وجيزة من انتهاء الثورتين الفرنسية والبريطانية بدأ الاستقرار، والشفاء، فالاستعجال، والتسرع في قطف زهور الربيع العربي من الاشكاليات المطروقة ليس على مستوى البنية الفكرية والمؤسساتية. فلنترك دورة البناء المؤسساتي تكتمل، ولنترقب الثمرة، ولنبدا العمل على ترسيخ وإرساء ثقافة حقوق الانسان، فبناء العقليات والنفوس، أشقّ وأكثر صعوبة من الانتظار والتحرر .!!
والله ولي التوفيق، وما نريد إلا الإصلاح !