أحزاب الموالاة تبسط سلطانها وتبدد فرضية الائتلاف الحكومي
وضعت الانتخابات التشريعية أوزارها، وظهر الخيط الأبيض من الأسود في تشكيلة الغرفة السفلى للبرلمان، لتتحول أنظار الأحزاب السياسية ومعها الرأي في اتجاه قصر الحكومة، وسط جدل واسع فيما إذا كانت فرضية تشكيل حكومة ائتلافية ما تزال قائمة في ظل نتائج اقتراع، الخميس، أم أن الجهاز التنفيذي سيحتفظ بملامحه الحالية، مثلما حافظت الخريطة السياسية على نفس مفاتيحها.
المادة 91 من الدستور الجديد، تدرج تعيين الوزير الأول بعد استشارة الأغلبية البرلمانية ضمن المهام الدستورية لرئيس الجمهورية، إلا أن هذه المادة لا تلزمه في الوقت ذاته بضرورة أن يكون الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية، انطلاقا من هذه المادة الدستورية التي شكلت وقود الحملة الانتخابية للبعض، والخلفيات الحقيقية للتنابز والتراشق بين حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وبعد أن وصلت التشريعيات إلى محطتها الأخيرة، بدأت الاستفهامات والتساؤلات تحوم حول شكل الحكومة ما بعد التشريعيات.
رسخ الرئيس بوتفليقة منذ وصوله إلى الحكم تقليدا يقضي باستقالة الحكومة وتعيين حكومة جديدة ما بعد كل استحقاق تشريعي، وإن كان الرئيس فضل ما بعد تشريعيات 2012 إرجاء التغيير الحكومي إلى غاية شهر سبتمبر، وهو التغيير الذي كان جذريا وأنهى علاقة أحمد أويحيى بالجهاز التنفيذي أتى بالوزير الأول عبد المالك سلال إلا أن حالة ترقب تشكيل الحكومة الجديدة هذه المرة انطلقت باكرا وكانت بدايتها عشية ضبط قوائم المشاركة في التشريعيات، على اعتبار أن هذه الأخيرة استقطبت كل التشكيلات السياسية وعلى اختلاف تياراتها، بما فيها الأحزاب الكلاسيكية التي قاطعت المواعيد السياسية في 2012.
المشاركة الواسعة، وإبداء العديد من الأحزاب السياسية نواياها صراحة وبالتلميح في دخول الحكومة غذى فرضية تشكيل ائتلاف حكومي، يضمن تمثيل الأحزاب التي تتمكن من حجز مقاعد لها بالبرلمان، إلا أن نتائج هذه الأخيرة والمعلن عنها أمس أظهرت أن الخارطة السياسية بقيت على حالها ودون تغيير، ورغم أن أحزابا تقهقرت، وأخرى تحسنت، مثلما هي الحال بالنسبة إلى الأفلان والذي إن حافظ على مكانته بالقوة السياسية الأولى في البلاد إلا أنه فقد 57 مقعدا، على نقيض الأرندي الذي تمكن من تحسين نسبة تمثيله بـ50 بالمائة بعد أن قارب 100 مقعد، غالبية الأحزاب الأخرى بقيت تترنح، وحتى الأحزاب التي سجلت عودتها إلى مبنى زيغوت يوسف لم تتمكن من “قهر” أو حتى “زعزعة” تكتل الأحزاب الموالية للسلطة والتي بسطت سلطانها داخل المجلس حسب النتائج الأولية فتمثيل “الأفلان” و”الأرندي” وحزبي “تاج” والحركة الشعبية مجتمعة وصل 293 مقعد، هذا العدد يصح أن يطلق عليه أغلبية مطلقة، تغني عن الحاجة إلى أي تحالفات جديدة، كون هذه الأغلبية تضمن أريحية للسلطة سواء لتشكيل الحكومة القادمة، أو تمرير قوانينها أو أي مشروع سياسي آخر.
هذه الأغلبية المطلقة التي تضمن استمرار الخارطة السياسية بنفس مفاتيحها، جاءت معاكسة تماما لرغبة بعض التشكيلات الحالمة بتغيير معالم هذه الخارطة وحتى موازين قواها، ففرضية الائتلاف الحكومي لم تعد مبررة، وتكاد تتبدد، إلا إذا رأى الرئيس في هذه الخطوة الجدوى السياسية، ذلك لأن المتابعين للشأن السياسي يرون في وجود بعض التشكيلات داخل الحكومة مجرد تشويش، كما أن عودة الإسلاميين إلى الجهاز التنفيذي، من خلال حركة حمس جعلها رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري مشروطة بضرورة الفوز بعدد كبير من المقاعد، فكيف ستكون ملامح الحكومة القادمة في ظل وجود معطيات ترجح فرضيات استمرار عبد المالك سلال على رأس الجهاز التنفيذي.