الرأي

“أحنا ولاد الشعب..”

جمال لعلامي
  • 1312
  • 1
ح.م

“أحنا ولاد الشعب.. الجيش ضدّ العدو موش ضد شعبو.. يستحيل نقبلها يكون واش يكون”.. هذه واحدة من التصريحات الخالدة والشاهدة على صلابة وإنسانية وشعبية الفريق المجاهد الفقيد أحمد قايد صالح، رحمه الله.. لا يُمكن لغير “وليد الشعب” أن يقولها ويؤمن بها ويجسّدها على أرض الواقع بالأفعال قبل الأقوال، وهذه واحدة من النوادر التي جعلت الجزائريين يلتفون حول الرجل والبطل في حياته ومماته.

ليست إلاّ “حسن الخاتمة”، التي تجعل مواطنين يطلقون اسم الراحل على مواليدهم الجدد، وآخرون من التجار سلموا السلع لزبائنهم مجانا، وآخرون “تصدّقوا” على روح الفقيد الطاهرة بتوزيع الخبز وإركاب المسافرين مجانا في حافلاتهم الخاصة وتوصيل المعزين يوم التشييع، وآخرون أقاموا مجالس عزاء ومواساة في مختلف مناطق الجزائر العميقة، وفئة أخرى خصصت الفنادق لإقامة المشيّعين القادمين من خارج العاصمة، وكلّ ذلك، تعبيرا منهم عن عرفانهم لعسكري استثنائي من “ولاد الشعب”.

الفريق قائد أركان الجيش، الذي تعفّف عن الحكم، ورفض استلام السلطة أو السطو عليها في عزّ الفراغ والأزمة، وقالها مرارا وتكرارا بأنه ليس له ولا للمؤسسة العسكرية أيّ طموحات سياسية، كرمه بعد الله تعالى، شعبه ودولته، بجنازة “الرؤساء”، دون أن يطلبها أو ينتظرها، أو يترجى جزاء ولا شكورا، لكن حسن الخاتمة، جعلته يلقى ربه كرفقائه الشهداء والمغاوير والأحرار الذين ما بدلوا تبديلا.

من الطبيعي أن يهتزّ الشارع الجزائري “فحل”، وقف مع شعبه بتصريحاته وقراراته، وقال في حياته إن ذلك “لله في سبيل الله”، فكان العسكري الإنسان، الذي اكتشفه جزء من المواطنين بعد وفاته، بعدما خطف أنظار واهتمام الأغلبية خلال العشرة أشهر الماضية، بوقفته غير المشروطة مع الحراك السلمي، واستماتته ضدّ العصابة التي أنهكت الحرث والنسل، وقهرت الشعب في قوته وعمله وحقوقه وكرامته!

ولأن فقيد الجزائر، الفريق أحمد قايد صالح، كان فعلا من “ولاد الشعب”، سار خلفه الشعب حيّا وميّتا، وأيقظ ضمائر وقلوب هؤلاء وأولئك، نتيجة لسانه الصادق وقلبه الأبيض وانتمائه وولائه لبيان نوفمبر، فكان نموذجا ومثالا للمجاهد والعسكري والقائد والحكيم و”المواطن” الذي يقاتل حتى النصر من أجل جزائر حرّة ومستقلة وذات سيادة.. لا يستسلم، ينتصر أو يستشهد، وإذا مات يموت واقفا، وهذه سمة الكبار ممّن لا يسجدون إلاّ لله.

مثلما كان قايد صالح، أسد من أسود الجزائر، فقد ترك وراءه أشبالا سيحفظون الوديعة ويصونون الأمانة، وقد قالها ذات يوم “الأمانة واعرة”، لكن الإرث الذي تركه سيحفظها إلى الأبد، طالما أن ذاك الشبل من ذاك الأسد، وطالما أن الأبناء مثل آبائهم وأجدادهم في الشجاعة والأنفة وعزة النفس، والذود عن الوطن، واستكمال رسالة الشهداء.. وهذا كله، هو سرّ الجزائر الآمنة المحمية من ربّ العالمين وبدعوات الخيّرين وتضحيات قايد صالح وأمثاله من الوطنيين الذين وعدوا وأوفوا بالعهد.

مقالات ذات صلة