الرأي

أخطأت “داعش” وأصاب أحمد الأحمد

حسين لقرع
  • 909
  • 0

في البداية لا بدّ من التأكيد، بكلّ حزم ووضوح، أنّ ما قام به المواطن الباكستاني ساجد أكرم وابنه ناظم، من شنّ هجوم مسلح على يهود كانوا يحيون عيدا دينيا في شاطئ بأستراليا وقتل 15 منهم وجرح 40 آخر، هو عمل إرهابي يدينه كلّ ذي منطق سليم وضمير حيّ، لأنّه هجوم ارتكب ضدّ مدنيين غير محاربين، وفي أرض بعيدة بآلاف الكيلومترات عن غزة، ولا يمكن التذّرع بجرائم الاحتلال ومجازره في القطاع، لتبرير مهاجمة يهود آمنين في أيّ بلد في العالم.
نقول هذا الكلام لأنّنا سمعنا من يتحدّث في فضائيات عربية عن أنّ ما قام به الباكستانيّ ساجد (50 سنة) وابنه ناظم (24 سنة) ليس سوى ردّ على بعض جرائم الاحتلال في غزة، والواقع أنّه لا خلاف على وحشية الاحتلال وهمجيته وارتكابه جرائم إبادة وجرائم ضدّ الإنسانية، لكنّ يجب الانتباه إلى أنّ هذه الجرائم النازية لا تبرّر مطلقا مهاجمة اليهود في شتى أنحاء العالم بذريعة الثأر لأهل غزة المستضعفين، وأنه ينبغي التفريق بوضوح بين الصهاينة الذين يحتلون فلسطين، سواء كانوا جنودا أو مستوطنين، واليهود الذين يعيشون في شتى بلدان العالم؛ إذ لا يساند هؤلاء جميعا جرائم الاحتلال في غزة، وقد رأينا الكثير منهم يخرج في مظاهرات صاخبة في العواصم الغربية الكبرى، ومنها سيدني الأسترالية، احتجاجا على مذابح الاحتلال في القطاع، فلماذا نحوّل هؤلاء اليهود إلى أعداء لنا بعمليات إرهابية تستهدفهم حصرا، كما حدث منذ ثلاثة أيام في شاطئ بأستراليا؟
إذا كان هناك من ينبغي أن يعاقب على جرائمه في غزة، فهو رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو وكبار قادته العسكريين وحتى السياسيين الفاشيين مثل الوزيرين بن غفير وسموترتيتش اللذين برّرا مجازر جيش الاحتلال ودعيا مرارا إلى تجويع الفلسطينيين حتى الموت أو خروجهم من غزة، وكذا وزير التراث إلياهو الذي دعا في نوفمبر 2023 إلى إلقاء قنبلة نووية على سكان القطاع وإبادتهم جميعا.. هؤلاء وأمثالهم هم الذين يستحقّون العقاب وليس يهود أستراليا أو أيّ دولة أخرى في العالم، من الذين لم يدخلوا فلسطين غزاة محتلين.
لقد سمعنا مسلما متطرّفا يتّصل بفضائية عربية استضافت الشيخ الشنقيطي لتوضيح حكم الإسلام في عملية شاطئ “بوندي” في سيدني الأسترالية، فأدان الشيخ العملية قطعا ووصفها بالإرهابية، وأكّد أنها تضرّ بالإسلام والمسلمين.. وردّ هذا المتّصل الأهوج غاضبا حانقا على الشيخ بقوله: “ما رأيك في قوله تعالى في سورة التوبة الآية 111: إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون…”، فقاطعه مقدّم الحصة فورا، بعد أن انتبه إلى أنّ المتّصل متطرّف أحمق يلوي عنق الآيات والسّور القرآنية ويستخدمها في غير موضعها لتبرير الجرائم المرتكبة ضدّ المدنيين الأبرياء في العالم، في حين أنّ الإسلام واضح في تعليماته لأتباعه أثناء الحروب بأن لا يقاتلوا غير المحاربين لهم، ولا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة ولا راهبا في صومعته…
وإذا صحّ ما ردّدته هيئة الاستخبارات الداخلية الأسترالية من أنّها حقّقت قبل ستّ سنوات مع أحد المهاجمين بسبب صلته بتنظيم “داعش” في سيدني، فإنّ الصورة تكون قد اتّضحت؛ فهذا التنظيم المتطرّف ارتكب جرائم كثيرة في شتى أنحاء العالم، وهو يتحمّل وحده مسؤولية أفعاله، ويجب أن لا يستغلّ الغرب مجددا هذه العملية الإرهابية لتصعيد موجة الكراهية ضدّ الإسلام وشيطنة المهاجرين المسلمين، فمن هؤلاء المهاجرين برز اسم البطل السوري أحمد الأحمد الذي كان مارّا بمكان الجريمة وشاهد رجلين يطلقان النار على مئات المدنيين الأبرياء، وكان الكثير منهم يصدر صرخات استغاثة، فسارع فورا إلى تطويق أحد المهاجمين من خلفه وصارعه على بندقيته إلى أن تمكّن من انتزاعها منه، وكان الثمن هو إصابته بخمس رصاصات في مناطق متفرّقة من جسمه. فما الذي حمل هذا المسلم السوري البطل على التدخّل وتعريض حياته للخطر من أجل أستراليين من غير ديانته؟ إنها تعاليم دينه التي تقول إنّ من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا.. هذا هو الإسلام الحقيقي؛ الإسلام الذي يقدّس الحياة البشرية ويحمي الأبرياء غير المحاربين ويجرّم التعدّي عليهم، ولا يعاقب البريء بذنب المجرم، فلا تزر وازرة وزر أخرى.
أما الإسلام الذي يقدّمه “داعش”، فلا يخصّ إلا أتباعه الدمويين المرضى نفسيا، وضحاياهم من المسلمين أكثر من ضحاياهم من باقي الديانات، وهؤلاء الدواعش مخطئون على طول الخط، في حين أصاب المسلم أحمد الأحمد بتصرّفه البطولي، وقبله برز اسم الجزائري البطل سمير زيتوني الذي أنقد حياة عشرات البريطانيين في قطار كان متّجها إلى لندن في نوفمبر الماضي حينما تدخّل وانتزع سكينا من مجرم كان يطعن به الناس عشوائيا، وقبلهما أيضا برز اسم الفتى المسلم الروسي إسلام خليلوف الذي لا يتعدّى 15 سنة فقط من العمر لكنّه تدخّل بشجاعة نادرة لإنقاذ أزيد من 100 شخص كانوا في قاعة حفلات بموسكو في أواخر مارس 2024 حينما هاجمتهم “داعش”، وفتح لهم منفذ نجدة وأنقذ حياتهم.
هؤلاء هم المسلمون الحقيقيون.

مقالات ذات صلة