أزمة في نقابة الصحفيين المصريين.. محمود درويش يصفع لأول مرة في حياته
تحولت الندوة الصحفية “لا تقتلوا غزة…افتحوا معبر رفح” بداية الأسبوع المنصرم إلى أزمة في بيت نقابة الصحفيين المصريين ذلك أن شابا مصريا اقرفته لغة الخشب السائدة ففضل الرد على قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش “أنت منذ الآن غيرك” التي ألقاها في أمسيته الشعرية الأخيرة بحيفا في 15 جويلية 2007 منتقدا حركة حماس بعد استيلاءها على غزة.أثارت هذه القصيدة التي عنونها “اعتذر عما فعلت ” ضجة كبيرة و كيف لا و قد تجرا عبد الرحمن يوسف على كسر الولاء الثقافي التام لمحمود درويش على الأقل بالنسبة لفحول الشعر العربي الذين لم يحركوا ساكنا و لم يكشفوا عن مواقفهم السياسية كمثقفين فاعلين في الوطن العربي فقد اكتفت ابرز الأسماء في المشهد الإبداعي بخطابات لاتسمن من جوع و لا تعكس مساهمة عملية بقدر ما كانت وقودا لحرب كلامية تتناقلتها الصحافة العربية و تبنتها كمادة إعلامية أساسية لرفع نسبة مبيعاتها ،فمنذ اشتعال نار الفتنة بين حمس و فتح انطلقت حملة “ثرثرة “واسعة بين مؤيد ومعارض .و إن كان السياسيون قد كشروا على أنياب الحكمة حسب المصالح الإستراتيجية لهم و لبلدانهم فقد عجز المثقفون و على رأسهم الشعراء على الرد عبر إبداع مماثل يتجاوز عقدة الأب و على غرار الكوكبة العربية المشهورة وقف الشعراء الجزائريون على هامش قضايا الأمة العربية و لم يتجرا واحد منهم على الرد على شاعر بقامة محمود درويش رغم أن القصيدة -التي سبق و أن نشرتها الشروق يوم صدورها- حملت الكثير من الازدواجية و الحرب المعنوية على الفلسطينيين .
كانت خطوة هذا الشاعر الشاب ضربة موجعة رغم أنها لم ترق للكثيرين حيث وقفت إحدى الحاضرات بعد إلقاء الشاعر للقصيدة معترضة بأن الحاضرين قد جاءوا ليسمعوا كلاما عن فلسطين وليس كلاما في حق الشاعر محمود درويش.. فما كان من بعض الحاضرين الفلسطينيين ممن حضر الندوة إلا أن قالوا أن محمود درويش كان مناضلا ولم يعد كذلك .. وقالوا للشاعر عبد الرحمن يوسف أن القصيدة قد لخصت كل ما جال بخواطرهم…
و إلى جانب النظم فقد نقلت الوكالات وجهة نظره مما يحدث” الوضع الثقافي انعكاس لوضع سياسي معين، والمشكلة في الأنظمة التي لا ترى ولا تعتمد وسيلة من وسائل الدفاع عن الهوية الثقافية أو الدين أو القومية وتستسلم لكل ما هو آت وكأنه أمر واقع وفرض عين يجب الالتزام به بالرغم من وجود وسائل نمتلكها للتحرك والتخلص مما يفرض عليها من الخارج. هناك عشرات الطرق إن لم تكن مئات بل آلاف. ولكن إذا كان الأمر أصلا على هوى الدولة أو القائمين بها أو هي مسائل لا تشغل مرتبة عالية أو حتى متوسطة في سلم الأولويات”..
..وفي نظرهم ما المانع أن تغرق السينما بأفلام أمريكية مادام الفيلم المصري ينساق خلف الأفلام التجارية التي ليس لها أي معنى وإن وجد فإنه معنى منحط رسالة إلى كبراء مصر في الحكم والمعارضة، أقول لكم: كلكم ذلك الرجل ! أرسلها إلى السياسيين وإلى رجال الدين وإلى الأدباء والمثقفين بل إلى الرياضيين والاقتصاديين، كلكم جيل واحد بعقلية واحدة لا يرى إلا ذاته ولا يعبر إلا عن نفسه ويحتجز من يحتجز وراءه لكي يظل يمدد له عاماً بعد عام ويماً بعد يوم حتى يصل إلى القبر، هذا طامع فيكم جميعا ليس في الحزب الوطني فقط وليس في رجال الأزهر فقط وليس في الإعلاميين الحكوميين فقط. كلهم جيل واحد مواليد العشرينات والثلاثينات والأربعينات بل والخمسينات لا يستطيعون العمل بشكل جماعي، لا يرحبون بإضافات جيل الشباب، كلهم يحتل موقعا ويدافع عنه دفاع المستميت حتى يأتي من يقهره على الخروج منه قهرا إلا من رحم ربي وهم فئة قليلة”…
وتقول القصيدة
نا الآنَ أصْبحتُ غيري ” تقولُ …
تجَملُ نثرَكْ …
و إنكَ منذ ُ عُقودٍ تحَوَّلتَ غيرَكْ !!!
فخذ ْ مِنْ قصِيدِكَ حذرَكْ
لأنكَ عبرَ السِّنين ِ كتبتَ مِنَ الشعر ِ
ما سوْفَ يسْقِط ُ عُذرَكْ !!!
و مِثلكَ لا يسْتفِزُّ الدَّقائقَ كيْ تسْتريحَ بمَنزِلهِخوْفَ موْتٍ قريبْ …
و مِثلكَ يعرِفُ كيفَ يصوغ الحدَاءَ
ليُبْطِئَ مرَّ الزَّمان ِ فيَخلدُ حرْفُ الأديبْ …
و مِثلكَ بالحقِّ – لا بالبلاغةِ – يهزِمُ جيشَ المغِيبْ …!
أجبْنِي برَبكَ …
هلْ نحنُ نسلُ الترَابِ و أنتَ سَليلُ السَّماءْ ؟
أنحنُ الشياطينُ إنْ ما غضِبْنا و أنتَ هُنا آخرُ الأنبياءْ ؟
إذا كنتَ يوْماً عذرْتَ الذي قدْ تهوَّرَ
و هو يسِيرُ بدَرْبِ الخِيانةِ
فاعذُرْ برَبكَ منْ قدْ تهوَّرَ و هو يسِيرُ بدَرْبِ الوَفاءْ !!!
إذا كنتَ تعذُرُ كلَّ الجَرَاثيم ِ ( فهي تنفذ ُ أمرَ الإلهِ )
فاعذُرْ جهازَ المَناعةِ حِينَ يقاوِمُ هذا البلاءْ
تمرس الشاعر لمحمود درويش كان إبداعيا و بطريقة أخلاقية كشفت عن نضج مبكر لابن الجيل الجديد الذي –للأسف-لا يؤمن بملكاته الفحول و لا يشجع خطواته ليظل مقياس الزمن يتحكم بالراهن الثقافي في الوطن العربي و تظل الفتاوى السياسية الوسيلة الأوحد لمحاكاة الحقيقة التاريخية.
آسيا شلابي