أزمتنا بالحرفين الياباني والصيني!
نحن نقول الأزمة تلد الهمة، ولا يكتفي اليابانيون والصينيون بهذا، بل عندما يكتبون “أزمة” بالكلمات المرسومة، (idéogramme) يضعون جنبا إلى جنب رسمين للتعبير عنها، أحدهما يفيد معنى (التهديد) والثاني يفيد معنى (الفرص)، أي أن الشعوب الشرقية هذه في الواقع، لا تعترف بوجود أزمة بلا حل، ولا تقبل الفصل بينهما، بل الأزمة تفترض بالضرورة عندهم وجود النقيضين بداخلها: الفرص والتهديدات، ولا يمكن الفصل بينهما حتى عند الكتابة…
ونحن بصعوبة نكاد نُقنع أنفسنا بأن الأزمة تلد الهمة وبأن الأمر لا يتسع إلا إذا ضاق على حد تعبير رائد النهضة الإسلامية في القرن التاسع عشر جمال الدين الأفغاني… بل نكاد نجزم أننا نعيش الأزمة وفقط الأزمة في كل شيء من غير إشارة تُذكر لِمَا بداخلها من حل وأمل… خطابات كثيرة ما فتئت ترتفع يوما بعد يوم لتُرسِّخ لدى الناس بأن الأزمة التي نعيش في مختلف القطاعات إنما هي بلا حل، بل وصل الأمر بالبعض إلى اعتبار أن حلها لن يلد إلا أزمة أخرى أكثر تعقيدا وأفظع ألما! مثلها مثل المشكلات الشريرة (WickedProblems) التي من بين خصائصها أنها كُلَّما حُلَّت، أفرزت مشكلات أكثر تعقيدا إلى ما لا نهاية على حد تعبير خبراء التخطيط الاستراتيجي والمسائل المركبة.
وبدا وكأننا على وشك جرف هار لا ننتظر إلا ساعة السقوط والنهاية، والواقع خلاف ذلك تماما أننا حقيقة نعرف أزمة ولكننا نعرفها بالمفهوم الشرقي للأزمات لا بمفهوم المشكلات الشريرة، كثير من التهديدات وكثير من الفرص أيضا…
لا نتصور أن بلادنا التي بها أكبر مساحة صفراء على وجه الأرض، صحراؤنا الكبرى، وبها أكبر مخزون من المياه الجوفية العذبة على وجه الأرض أيضا، لا يُمكنها أن تصنع اللون الأخضر الذي هو رمز الازدهار والرفاهية… أَوليس الأخضر هو ذلك الخليط الأساسي من الأصفر رمز الصحراء والأزرق رمز المياه العذبة؟
أَليس من واجبنا أن نبحث في ما يُمكن أن يوصلنا إلى تحقيق ذلك وتحويل التهديدات إلى فرص بدل الإمعان في الحديث عن استفحال الأزمة إلى حد الاعتقاد بأنها غير قابلة للحل؟
إن مشكلتنا بالأساس تكمن في عجزنا الفكري على إيجاد نقطة التوازن الحقيقية بين التهديدات والفرص، في انقسامنا إلى فريقين لا يرى أحدهما إلا اللون الأزرق ولا يرى الآخر إلا اللون الأصفر، لا يتحدث أحدهما إلا تزلفا ولا يلفظ الآخر إلا انتقاما، في حين أننا في حاجة إلى من يجمع اللونين معا، ومن يكتب الأزمة بالأحرف الصينية واليابانية ويقرؤها بروح الهمة الجمالية، باللون الأخضر، أليس ذلك أقرب إلى صناعة الأمل؟