الرأي

أسباب النّجاح الخمسة (2)

سلطان بركاني
  • 800
  • 0

وقفنا في الحلقة السابقة مع الأسباب الثلاثة الأولى للنّجاح: الاستيقاظ باكرا، حسن التّواصل مع الآخرين، والحرص على الوقت.. ورأينا كيف أنّ واقعنا عامّة، وواقع شبابنا خاصّة، في حاجة إلى مراجعة جادّة وصادقة، لتصحيح الانتكاسة التي نعيشها في إضاعة الأوقات، والسّهر الطّويل باللّيل مع النّوم بالنّهار إلى وقت الظّهيرة، إضافة إلى معضلة التواصل مع التفاهة والقطيعة مع الواقع.. وموعدنا في هذه الحلقة مع السببين الرابع والخامس للنّجاح: حسن إدارة الموارد، وإدمان المطالعة.

السّبب الرابع للنّجاح: الاقتصاد في المال وعدم التبذير:

يصنّف المنظّرون للنجاح في الدول الغربية “الاقتصاد في الإنفاق” ضمن أهمّ عوامل النّجاح في الحياة.. وليس يخفى أنّ حسن إدارة المداخيل والموارد عمل صالح في ديننا: يقول الله تعالى: ((ولَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)).. ويقول سبحانه: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) (الأعراف:31)، ويقول جلّ شأنه: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)) (الفرقان:67). ويقول جلّ من قائل: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)).

ويقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “كلوا واشربوا والبسوا وتصدَّقوا في غير إسراف ولا مخيلة” (رواه أحمد)، وفي حديثٍ مرعب يتوجّه إلى من يعبثون بنعمة المال ويهدرونها في غير مضانّها، يقول الحبيب –صلـى الله عليه وسلم-: “إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة” (أخرجه البخاري).

وقد كان الصّالحون من عباد الله، يوصي بعضهم ببعض بترشيد الإنفاق، والتوسّط فيه بين البخل المذموم والتبذير الجالب للهموم، يقول قائلهم: “الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة”.

ونحن في زماننا هذا؛ نلمس أنّ من أعظم أسباب الهموم التي تعشعش في قلوبنا والفشل الذي يصبغ حياة كثير منّا، أنّنا ننفق من غير تخطيط ولا ترشيد. نتّبع أنفسنا الأمّارة بالسّوء ونجعل شهواتها هي الحاكم في نفقاتنا، فنشتري ما لا نحتاج إليه وما يزيد على حاجاتنا، من الأطعمة والألبسة والأمتعة.. الأطعمة امتلأت بها حاويات القمامة، والألبسة امتلأت بها الخزائن، والأمتعة تستبدل كلّ عام، ونحن نشتكي ليل نهار أنّ الرواتب لا تكفينا.. يسحب الواحد منّا راتبه، فلا يكاد يمضي أسبوعان حتى يأتي على آخره، لتبدأ رحلة الدّيون والهموم، إلى أن يحين موعد استلام الراتب، وهذا كلّه بسبب أنّ عيوننا ونفوسنا هي التي تقودنا وليست عقولنا.. تجد الرجل يكسب راتبا محترما، لكنّه في آخر الشّهر دائما ينتظر من يدفع عنه ثمن فنجان قهوة، ويستدين ليشتري السّميد والقهوة والسكر لبيته!

يقول أبو بكر الصدّيق –رضـي الله عنه-: “إني لأبغض أهل بيتٍ ينفقون رزق أيام في يوم واحد”، ويقول عمر بن الخطّاب -رضي الله عـنه-: “الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقلُّ شيء مع الإصلاح، ولا يبقى شيء مع الفساد”، ورأى أبو الدرداء –رضي الله عـنه- حَبًّا منثورًا في غرفة له، فالتقطه وقال: “إن من فقه الرجل رفقه بمعيشته”.

العبد في هذه الدّنيا، إن لم يحسن الإنفاق، فإنّه يضيّع عن نفسه أجور صدقات كان يمكنه أن يخرجها ويبارك له بها في ماله، ويضيّع عن نفسه مصالح كثيرة يقضيها لو نظّم نفقته، ويعرّض نفسه للدّيون وإهدار كرامته بالحاجة إلى النّاس!

أنفق بقدر ما استفدت ولا * تسرف وعش فيه عيش مقتصد

من كان فيما استفاد مقتصدًا * لم يفتقر بعـدها إلى أحد.

السّبب الخامس للنّجاح: القراءة والاطلاع المستمر:

من أعظم أسباب النّجاح، كثرة المطالعة.. والمطالعة الواسعة تجعل صاحبها يتقن كثيرا من أبواب العلم، وتشيّد له مكانة بين النّاس؛ إذا تكلّم التفت إليه الجميع وأصغت إليه الآذان، وإذا أدلى بدلوه في موضوع وفّى ونفع وكفى، وإذا تقلّد منصبا أثبت كفاءته وجدارته وفرض نفسه.. تفتح له الأبواب وتتلألأ أمامه الفرص، يختار منها ما يشاء.. يقول الله تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))، ويقول النبيّ المشفّع –عليه الصّلاة والسّلام-: “من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع”، ويقول: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم”.

كثير من شبابنا في هذا الزّمان، رصيده خلال سنوات طويلة من عمره: آلاف المنشورات والمقاطع التافهة، لم يتمّ في حياته قراءة كتاب، ولا متابعة سلسلة علمية نافعة، ولا يحسن اللغة العربية فضلا عن أن يتقن لغة أخرى، وهو مع ذلك يشكو ليل نهار: “ما كانش خدمة، ما لقينا وين بيها”! حاله كمن يغرس الشّوك ويرجو أن يجني العنب!

أخيرا، أوصي نفسي وإخواني الشّباب بأعمارنا خيرا.. حرام أن تضيع منّا أعمارنا الثمينة من دون أن نقدّم شيئا لأنفسنا ولا لغيرنا في هذه الحياة.. ليس يليق بعبد مسلم أن يعيش في هذه الدّنيا صفرا على الشمال، لا علم ولا ثقافة ولا عملا نافعا.. المهمّ بالنسبة إليه أن يأكل ويشرب ويقضي شهوته وينام.. نحن مخلوقون لرسالة سامية أكبر من كلّ هذا.. نحن مخلوقون لطاعة الله وعمارة الأرض بما ينفع.. النّجاح مبذول لكلّ من يفكّر ويتحرّك ويجاهد نفسه ويخالف رغبتها في الراحة والنّوم واللعب والعبث، والنجاح في الدّنيا بما أحلّ الله يفتح الباب للنّجاح والرفعة في الآخرة.

مقالات ذات صلة