-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أصعب شيء في الحياة..!!

مروان ناصح
  • 1683
  • 3
أصعب شيء في الحياة..!!

-1-منذ سنوات بعيدة اعتدت أن أجيب كل من يسألني عن أحوال التلفزيون ـ في بلدنا سورية ـ بما كان اليابانيون يصفون به مؤسسة الزواج: “الزواج قلعة.. كل من هو في داخلها يتمنى الخروج منها، وكل من هو خارجها يتمنى الدخول إليها..!!” ثم يأتي ذات يوم ـ من يختار “التلفزيون المعجزة” عنواناً لمعرض صور أقيم في ذات ذكرى لتأسيس التلفزيون، فكأنما أراد بذلك أن ينهب من بين يدي ـ فجأة ـ شقاء العمر الجميل، ليفسد عليَّ الاستمتاع بترديد هذه الإجابة، التي تمثل لي “كل حصيلتي” الفكرية والفنية التي جنيتها على مدى ثلاثين عاماً أمضيتها خلف أسوار هذه القلعة المنيعة متنقلاً بين أقسامها، متسعكاً في دهاليزها، ساهراً كالحارس الليلي إلى حدود صباحاتها، مردداً أمجاد اسمها وتاريخها كتلاميذ المدارس، راكضاً في مقدمة أعراسها كقارع الطبل، مستشرفاً أيامها القادمة كضارب الودع والمندل، مهموماً بعزاءاتها مثل صباب القهوة المتطوع حباً وحزناً وكرامة، ثم يأتي أخيراً من يريدك أن تنسى “زهرة العمر” و”بنك القلق” و”الطعام لكل فم” و”يا طالع الشجرة” وسوى ذلك من العناوين التي وضعها الكاتب الكبير توفيق الحكيم لمؤلفاته المسرحية، ولا تجد أنت أفضل منها عناوين بالغة الدلالة على المراحل المتعاقبة التي عشتَها خلف أسوار هذه القلعة الإعلامية الشامخة.!

وَمَنْ ذا يصدقني بعد اليوم إذا شبهت تلفزيوننا بمؤسسة الزواج عند أهل اليابان بعد أن بات الصغار قبل الكبار يعرفون أن الزواج لم يعد معجزة، ولا هو معدود بين عجائب الدنيا القديمة ولا الحديثة.! ثم من أين لي بثلاثين عاماً إضافية لأنفقها داخل قلعة الإذاعة والتلفزيون بحثاً عن حصيلة فكرية وفنية جديدة ألخصها لتكون إجابة مقنعة للسائلين، مثلما حدث لحكيم اليونان “سولون” حين شاهد أحد أصدقائه يبكي فقد عزيز فقال له:

ـ إن دموعك لا تفيد شيئاً يا صديقي.!

ـ أجل إني أبكي لأن دموعي لا تفيد.

 

– 2 –

ذهبت ذات يوم، برفقة بعض الأصدقاء، إلى المستشفى، نعود الشاعر والأديب السوري ممدوح عدوان، الذي كان نزيلاً هناك، لمرض ألمّ به، وهو غير المرض الأخير الذي تسبب برحيله عن دنيانا، بعد ذلك، بنحو عشر سنوات.. ودارت بيننا أحاديث شتى، قبل أن يلتفت إليّ الشاعر المريض بغتةً، ليسألني بلهجة اتهامية صاعقة: “أنت شاعر.. فلماذا قبلت العمل رئيساً لدائرة الرقابة في التلفزيون؟؟.. شاعر ورقيب في آن واحد..!! هذه مفارقة عجيبة..!!”

والحق أن لهجته المترعة بالاستهجان، أوقعتني في حرج شديد، أمام ثلة الأصدقاء الذين راحوا يتبادلون نظرات تعجب وترقب، فيما بينهم، وكان منهم الكاتب الدرامي، ومنهم المخرج التلفزيوني، ومنهم الأديب المترفع عن “سفاسف” ما يقدمه التلفزيون، على حد تعبير كثير من الأدباء المعتزين بإبداعاتهم شعراً ونثراً في تلك الفترة.! وأسقط في يدي للحظات، ثم أسعفتني نزعتي الساخرة برد سريع، إذ وجدت نفسي أردد الجملة الشعبية المألوفة، بعد حرفها عن موضعها الدلالي المعتاد، فقلت وأنا اضحك: “الشغل ليس عيباً…!!” وانطلقت ضحكاتنا تتجاوب في أرجاء الغرفة، بعد أن نبهته إلى أن الفنان الذي يسكن في داخله ـ وفي أعماقي أيضاً ـ ويضيق بكل رقابة لاسيما الرقابة العربية ذات السمعة السيئة بامتياز، قد دفعه إلى تناسي أنه ـ هو شخصياً ـ كان يعمل “رقيباً” في تلك الدائرة نفسها، ويقرأ ما يسند إليه من نصوصها..!!

لقد أردت من هذه الحكاية، أن تكون دعوة إلى مناقشة الرقابة التلفزيونية السورية والعربية، على ضوء المتغيرات الكبرى التي شملت مختلف جوانب الحياة في مجتمعنا، وفي ظني أن فتح ملف الرقابة ـ عبر تاريخها ـ سوف يحرك كثيراً من المفاهيم الساكنة، ويعيد النظر في عديد من المسائل الإشكالية، التي تنضوي بين قطبي الخوف والجرأة، والنمطية والتجديد، والمعلن والمسكوت عنه، والوصاية على الجمهور، وحرية هذا الجمهور في اختيار ما يشاء والانصراف عما لا يريد.. فقديماً سأل تلميذ الفيلسوف أرسطو:

ـ ما أصعب شيء في الحياة.؟

ـ أن يعرف الإنسان نفسه..!!

ـ وما أسهل شيء.؟

ـ أن ينصح الإنسان غيره..!!

 

– 3 –

في سورية ورث الفنان الكبير رفيق سبيعي الذي عُرف بشخصيته الشعبية “أبو صياح” أجمل مبتكرات الفنان السوري المبدع “سلامة الأغوني” من أساليب ساخرة ناقدة ضاحكة، وأضفى عليها من روحه، حتى غدت جزءاً من الثقافة الشعبية، وملمحاً معبّراً عن التوجهات الاجتماعية والعاطفية للمواطن العادي، في مواجهة كثير من العادات الدخيلة على حياة الشباب، كالملبس غير اللائق، وادعاء التحضر في الأشكال دون المضامين، و”الانقلاب” السلوكي، والابتعاد عن كل جميل وأصيل، في تقاليدنا الموروثة..!!

ولعل مما يؤسف له أن تفتقد حياتنا الفنية فن “المونولوج” الكوميدي الجميل..!! وربما كان تفاقم حجم التغريب في حياتنا، وشعور الكثيرين من الفنانين بلا جدوى النقد ـ جاداً وساخراً ـ من أبرز الأسباب التي أدت إلى انسحاب هذا الفن “الشعبي” بامتياز، من الإذاعات والشاشات والمسارح، والتجمعات الاحتفالية، والمهرجانات الفنية بأنواعها.. مثلما انسحب ـ قبل ذلك ـ فن آخر من فنون الكوميديا الجماهيرية.. هو فن إلقاء النكت والطرائف وتقليد المشاهير، وقد كان له هو الآخر نجومه وأساليبه في إمتاع المتلقين والتأثير في نفوسهم.. وها هو أحدهم ـ في ذاكرتي ـ يتحدث بلسان أحد نزلاء مشفى المجانين، بعد أن تمكّن من حل مشكلة عويصة لأحد العقلاء، قائلاً له بلهجة خاصة، وحركة يد مناسبة: “صحيح أنا مجنون.. لكنني لست حماراً…!!”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • بدون اسم

    يا جماعة تفكرت واحد الحكمة اضن انجليزية قالها لى احد الفضلاء من ذات الهيئة ردا على قلقي وصدامات حادة مع مخالفين ازاء هاته الفتنة العضيمة فكان رده منطقى شافى رائع جدا

    انتضر مخالفيك تحت الجسر عندما يسقطون واحدا تلوى الاخر من فوقه

    يا جماعة اليس هاذا المثل رائع جدا ويبعث الاعتزاز والافتخار ويولد لذة الانتضار و النجاح والتفوق والريادة وكلها تعزز ثقة النفس والشعور بالرضى

    مثل يبغى دراسة عميقة واكيد ستنتشلون الصيغة السحرية التى جعلت النفر يتميزون بين الناجى والناجح والمنتحر والهاو

  • بدون اسم

    النقطة الاخيرة اقصد المقاصد والغايات الكبرى التى يتحرك بموجبها كبار السياسيين والفلاسفة والادباء و غيرهم من نضريات واطروحات فكرية وفى النهاية يصطدمون بجدار الفشل فيدركون ان القضية التى كانوا ينشدونها باطلة او بخسوا حقهم كما حصل مؤخرا مع النخب الجديدة

    ان كان لكم تواصل مع جمعية علماء العالم الاسلامى عندى عمل يثبت احقية وصحة ما ادعيه

    ولذا وجب الحذر في الفهم وسوء الضن ..سامحكم الله

  • بدون اسم

    وعن قريب العودة الى الاصل فضيلة ورشة سيارات "البانتورة بالفور والاكسيدونت" الى هرس كروستو يجى عندى

    ما تنساوناش بدعائكم

    بل اصعب شيئ فى الحياة حين تصنع المستحيل والشيئ الاسطورى من اجل شيئ لا يساوى بصلة والله يا جماعة هاذا اصعب شيئ ..خاصة ان كان الدوافع مغروسة فطريا وتحركها غريزة الوفاء والتضحية ..يحسبوك طنح