-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الرقمية" تتحول إلى وكر للنصب والاحتيال

أطباء ورقاة وعرسان وهميون يغزون “فايسبوك”

نادية سليماني
  • 1140
  • 0
أطباء ورقاة وعرسان وهميون يغزون “فايسبوك”
أرشيف

استغلّ كثير من “النصّابين” مواقع التواصل الاجتماعي، لاصطياد ضحاياهم.. عن طريق انتحال صفات مختلفة، من مسؤول سام في الدولة أو طبيب ماهر أو راق متمكّن، وصولا إلى عريس وهمي.. فكيف يوقع هؤلاء ضحاياهم في مصيدة كذبهم؟ ولِم يجعل بعض المواطنين أنفسهم صيدا سهلا للمحتالين؟

بن روان: المحتالون يستغلون هشاشة نفسية المريض وينصبون عليه

تعتبر قضية الطبيب المزيف الذي ألقت عليه مصالح الأمن القبض مؤخرا، واحدة من بين عشرات القضايا، التي تزامن ظهورها مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي. فالمحتالون “الرقميون” باتوا يستغلون “فايسبوك” و”تيك توك” لتحصيل أموال بطرق تدليسية.

ينتحلون صفة أطباء للإيقاع بضحاياهم
ومن الصّفات المنتحلة “رقميا” والشائعة، صفة الطبيب ضمن تخصصات متعددة منها علاج الأمراض النفسية والعصبية، والعلاج بالطاقة والاسترخاء وغيرها من المّسميات، مستغلين كثرة المشاكل الاجتماعية، فيدّعون قدرتهم على علاج جميع الأمراض النفسية، ويطلبون من ضحاياهم إرسال صور لتحديد مكان الألم في أجسادهم أو التواصل على الخاص، وعندها يطلبون أموالا من ضحاياهم مقابل التشخيص أو تعبئة رصيد في الهاتف.؟
وذكرت فتاة مصابة باكتئاب مزمن، أنها تواصلت مع مختص نفساني على “فايسبوك”، ففاجأها بطلب رقم هاتفها للتواصل.
وكشفت أخرى تواصلها “فايسبوكيا” مع طبيب نفساني مصري الجنسية، وعندما طرحت عليه مشكلتها طلب صورها، ساعتها قررت قطع التواصل معه، لكنّها تفاجأت باتصالاته عبر المسنجر في كل وقت، حتى في ساعات متأخرة من الليل، فكيف لطبيب أن يتصل بمرضاه ليلا!؟ تتساءل محدثتنا.
بدورها، أكّدت شابة في الثلاثين من عمرها من العاصمة، أنها تواصلت مرة إلكترونيا مع سيدة تدعي أنها مختصة في التغذية، لتسألها عن ريجيم يحارب السمنة، لتتفاجأ بها تطلب منها صورا لجسدها حتى تحدّد المناطق التي تحتاج إلى ريجيم في جسمها..!! ” وهنا تأكدت من كونها رجلا محتالا..

من المستحيل تشخيص المرض النفسي “فايسبوكيا”
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور المختص في الأمراض البسيكو جسمانية، والقلق والاكتئاب، كمال بن روان، في تصريح لـ “الشروق”، أن الشخص المريض نفسيا، يعاني من ضعف وهشاشة نفسية، تجعله قابلا للاستغلال من طرف “محتالين” يبيعونه أعشابا وخلطات مجهولة عن طريق الأنترنت.
وقال المختص: “تشخيص الأمراض النفسية والجسدية، هو عملية معقّدة، تحتاج الكثير من الفحوصات والجلسات، للوصول إلى المتلازمة المرضية ووصف الحالة بدقة، أما جلسات العلاج النفسي فهي مسك الختام لعملية التشخيص الصحيحة للمرض”.
وبحسبه، لا يمكن لأي شخص مهما كانت صفته، تشخيص مرض ما عن طريق “فايسبوك” أو الهاتف، إذ بإمكانه ربما الاستماع لهموم المريض ومشاكله وأعراض مرضه، ولكن عملية تشخيص ومنح دواء، فهذا مستحيل دون فحص إكلينيكي، لأن كثيرا من الأعراض تتداخل بين المرض العضوي والنفسي، فأمراض الغدة الدرقية أو النخامية أو الإصابة بسرطان، يستحيل معرفتها دون فحوصات وتحاليل كثيرة”.
كما حذر محدثنا من ظاهرة بيع منتجات وهمية، تسوق لعلاج السكري والربو والخلعة والقولون العصبي، بأسعار خيالية، نجهل مكوناتها ومضاعفاتها على الجسد.
ونصح المختص المرضى بـ”عدم الثقة في أي شخص، لا يملك عيادة وممرضا وعنوانا قارّا” لأن حقوق المريض تكون محفوظة عند الطبيب المعروفة هويته، أما بيع الوهم عن طريق الإنترنت من طرف صفحات لا ندري من يسيرها، ففيه مغامرة كبيرة، تصل حد الابتزاز والتشهير بصور النساء”.
كما دعا بن روان المواطنين إلى رفع مستوى التثقيف الصحي، لتمييز الغث من السمين في قطاع مهم، على غرار الصحة.

رقاة مزيفون يغزون “فايسبوك”
وتعتبر صفة الراقي، ثاني أكثر الصفات المنتحلة على “فايسبوك”، لوجود فئة كبيرة في مجتمعنا وخاصة النساء، لا تنقطع عن الرقاة، وهو ما جعلهن صيدا سهلا للمحتالين، ويطلب بعض الرقاة المزيفين، من ضحاياهم فتح “مجموعات خاصة” على تطبيق “مسنجر”، للخضوع لرقية جماعية عبر كاميرا الهاتف النقال، حيث اشتكت كثير من النساء تعرّضهن للتحرش في هذه “المجموعات الخاصة”، فبعض الرّقاة المحتالين يوهم سيّدات بإصابتهن بأعراض سحر خطيرة، ويدعوهن إلى التواصل معه يوميا، من أجل الرقية وفك السّحر عبر الكاميرا.. !!
وفي هذا الموضوع بالذات، حذر المختص في العلاج بالقرآن، الدكتور محسن عبد الجبار، من الرقاة المزيفين “رقميا”، كما حذّر ممن وصفهم بسحرة “فايسبوك” و”تليجرام”، الذين يدعون العلاج والرقية، وهم في الحقيقة مشعوذون وسحرة، وقال: “يدخلون في صفحات رقاة، وهنالك يصطادون ضحاياهم.. حيث يقومون بتجهيز سحر لهم، ويسلطون عليهم الجان، في حال تواصلوا معهم عبر الخاص”.

مفتش جمارك مزيف يسلب النساء مالهن
أما المحتالون الذين لا يقلون خطورة، فهم من يحصلون أموالا كبيرة جراء نصبهم على رواد الإنترنت مقابل ادعاءات كاذبة. ومن بين قضايا الاحتيال التي ذكرتها نساء كن ضحايا لها على موقع “فايسبوك”، وجود محتال، يتصل بنساء بحجة التعرف عليهن، لغرض الزواج، ويطيح بهن بالكلام المعسول والمنمق، بعدها يدعي للمرأة أنه يشتغل مفتش جمارك بميناء الجزائر العاصمة، وأن مؤسسة الميناء ستنظم مزادا علنيا لبيع المحجوزات من مجوهرات وهواتف نقالة بأسعار منخفضة جدا، ويرسل إليهن صورا للمحجوزات، وهي عبارة عن صور التقطها من واجهات محلات أو صاغة. ويدعي أنه سيخبئ لها بعض المحجوزات إذا أرادت الشراء وبأسعار مغرية جدا، بعدها يرسل إليها حسابا بريديا لتبعث إليه المال فورا قبل غلق المزاد.
وتمكن المحتال من الاستيلاء على أموال كبيرة، فكل ضحية كان يتلقى منها بين 40 ألفا إلى 50 ألف دج، بعدها يغلق هاتفه النقال ويختفي. وأكّدت نساء أنهن أودعن شكاوي ضدّه، محذرات البقية من الوقوع في فخه.
والغريب، أن هذا الشخص يستعمل نفس الاسم ونفس الحساب البريدي مع جميع الضحايا، وكأنه متأكد من كونهن لن يبلغن عنه مصالح الأمن.

مواقع زواج تحتال على العازبات
وأثناء رصدنا لانطباعات الشارع حول الظاهرة، تفاجأنا بأن كثيرا من الفتيات العزباوات وقعن ضحية للمحتالين الرقميين وحتى مواقع الزواج، صارت تعج بالمحتالين، فالبعض يتصل بالفتيات بحجة أنه عريس، وبعد التعرف عليهن، يدعي كل مرة حصول ظرف معين يمنعه من التقدم للخطبة، إلى أن يطلب منهن المال لتفريج كربه، وبعض الفتيات تقع فريسة سهلة لهذه الادعاءات وتقدم مبالغ مالية من أجل مساعدة “زوج المستقبل” ليتضح في ما بعد أنّه محتال.

قوراية: النساء أكثر ضحايا الاحتيال
وتأسف البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية، في تصريح لـ”الشروق”، لغياب الوعي لدى بعض الفئات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما جعل الوسط الإلكتروني مناخا ملائما للكثير من المحتالين، من خلال فتح مواقع وصفحات ومدونات، كل في تخصص.
وأضاف قوراية أنّ المحتال يتفنن في شتى فنون الغش وتدليس رواد صفحته، مستهدفا مختلف الفئات العمرية ومن الجنسين، “وللأسف، يضع فيه الضحايا كامل ثقتهم، ويصدقون نصائحه أو علاجه الوهمي، الذي يهدد صحتهم الجسدية والنفسية” على حد قوله.
ويفسر قوراية بأن المحتالين استغلوا الظروف الاجتماعية والمادية للعائلة الجزائرية، التي لا تقدر على تسديد تكلفة العلاج بعيادة خاصة، فتتوجه إلى العلاجات المجانية عبر الإنترنت، مستغربا إرسال بعض المريضات صورهن إلى أطباء وهميين.
وأضاف أنّ “الأمر لا يتوقف عند عتبة المعالج الجسدي أو الأخصائي النفساني الوهمي، بل تعدّاه إلى قضايا اجتماعية، حيث يلجأ بعض الأشخاص الباحثين عن صداقات عبر “فايسبوك” إلى التأثير نفسيا في الطرف الآخر، عن طريق مخاطبة جهازه النفسي قبل العقلي للوصول إلى مآربه، والمرأة أكثر فئة معرضة لمثل هذه التصرفات الاحتيالية، لأنها تفكر بقلبها، خاصة من يعانين من فراغ عاطفي.
وعرّف قوراية المحتال عبر وسائط التواصل الاجتماعي بأنه شخص نرجسي، يصدق الأكاذيب التي تمليها عليه نفسيته المريضة، والمصابة بانفصام في الشخصية، فيتخيل أنه طبيب وهو لا يحمل من المهنة إلا صفتها، وقد يصنف نفسه بأنه الشخص المكتمل الشخصية الجاذب للفتيات، وقد يتقمص دور أخصائي نفساني، وهو في الحقيقة مصاب بهلوسة ويعاني من اضطرابات نفسية بالغة الخطورة.

ظاهرة مستفحلة ولابد من تحيين القوانين
وذكر المختص في القانون، محمد مقراني لـ “الشروق”، بأنّ بعض الطفيليين نصّبوا أنفسهم مصدرا للمعلومة، دون صفة قانونية تخوّلهم صلاحية ذلك، لافتقارهم إلى المستوى والمؤهلات اللازمة.
وعاد المختص إلى قضية الطبيب المزيف، الذي ألقي القبض عليه بسبب فيديوهاته “الكاذبة والمغلوطة”، الذي سيواجه تهما تتعلق بجنحة نشر وترويج عمدي بأي وسيلة كانت، أنباء وأخبارا كاذبة ومغرضة بين الجمهور، من شأنها المساس بالأمن العمومي أو النظام العام، وجنحة التدخل بغير صفة في الوظائف العمومية والمدنية، والتقاط صور وفيديوهات خلسة ونشرها على شبكة إلكترونية أو في مواقع التواصل الاجتماعي، قصد الإضرار والمساس بمهنة الصحة والهياكل والمؤسسات الصحية.
وقال أيضا بأن دوافع هذه الظاهرة تختلف بين من يريد الشهرة السريعة، أو استغلال معاناة بعض النسوة، للتحرش بهن تحت غطاء العلاج الديني أو الطبي، خاصة لمن لم يجد علاجا لمشكلته..
ومن الضحايا من كان يبحث عن قضاء حاجته، فوجد نفسه في دوامة وساطة مسؤولين وهميين، أين كشفت عديد التحقيقات القضائية، عن توقيف مسؤولين وهميين نصبوا على مواطنين، مستغلين سذاجة وجشع بعض الفئات.
وأوضح المختص أنّ المشرع الجزائري جرّم سلوك انتحال صفة الغير، في قانون العقوبات ضمن المناورات التي يعتمدها الشخص من أجل مراوغة الغير، حيث تنص المادة 372 من قانون العقوبات 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر/ 2006، بأن “كل من استعمل أسماء كاذبة أو صفات كاذبة، أو استخدم وسائل احتيالية بهدف الإيهام بوجود نشاط وهمي، ويستلم تبعا لذلك أو يتلقى أو يحاول تسلم أو تلقي أموال أو منقولات أو أوراق مالية يعد ناصبا أو محاولا النصب”. وعليه، فإن المادة 242 من قانون العقوبات، تفرض عقوبة السجن 5 سنوات وغرامة مالية على منتحلي الصفة، وتنص المادة على أن “كل من تدخل، بغير صفة، في الوظائف العمومية، المدنية أو العسكرية أو قام بعمل من أعمال هذه الوظائف، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 100.000 دينار إلى 500.000 دينار، ما لم يكن الفعل جريمة أشد”.
ودعا مقراني إلى تحيين المواد القانونية المجرمة للظاهرة وتشديد العقوبات على مرتكبيها..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!