أطفال غزّة .. وأطفالنا!
يستعدّ العالم هذا الأسبوع لإحياء اليوم العالمي للطّفل الموافق للعشرين من شهر نوفمبر.. وهي بادرة حسنة أن يخصّص للطّفل يوم عالميّ، لأنّ للبراءة حقَّها الواجب على البالغين. لكن أيّ طفل يحتفي كبراء العالم بيومه؟ إنّه الطّفل الذي لا يزال بعيدا عن تغطية “برتوكولات” المنظّمات العالمية الحريصة –غاية الحرص- على تطعيم أطفال العالم بفيروسات الدّين العالمي الجديد!
هذا العالم، ينادي بحرية الأطفال في أن يلبسوا ما يشاؤون ويختاروا الدين الذي يشاؤون، بل وتضغط بعض المنظمات العالمية على بلاد المسلمين لتعترف بحقّ الطّفل فضلا عن الشابّ في أن يغيّر جنسه، فيتحوّل إن شاء من ذكر إلى أنثى أو من أنثى إلى ذكر، وتمنحه الحقّ في أن يكون مثليا.. لكنّ هذا العالم يتمتم بخفوت ويتحدّث باستحياء عن أطفال غزّة والأطفال الذين تجوّع بطونهم وتقطّع أشلاؤهم وينتزعون قسرا من أحضان أمّهاتهم في ربوع هذا العالم!
في يوم الجمعة قبل الماضية، كشف تقرير للأمم المتحدة أن النساء والأطفال يشكّلون قرابة 70 % من ضحايا الحرب الصهيونية على قطاع غزة! لكن هل تضغط هذه الهيئة وأخواتها لوقف الإبادة التي يتعرّض لها الأطفال في تلك البقعة من العالم.. لا، أبدا، لأنّ المجرم يتمتّع بحصانة عالمية!
العدوّ الصهيونيّ يتعمّد استهداف الأطفال خاصّة، لأنّه يريد أن ينشر الرعب في قلوب الجيل الجديد في غزّة وفلسطين حتى لا يفكّر في مواصلة مسيرة المقاومة، مسيرة أحمد ياسين والرنتيسي ونزار ريان وإسماعيل هنية والسّنوار.. لكن أنّى له ذلك؛ فأطفال غزّة رغم الجوع والدّموع والإرهاب يتربّون على عشق المقاومة وبغض العدوّ الصهيونيّ، وقلوبهم تتّقد نارا على المحتلّ الغاصب.. إنّهم يتربّون في حلقات تحفيظ القرآن التي لا تزال تلتئم في خيام النّزوح، ويتربّون في حجور نساء بعن أنفسهنّ لله، ولا همّ يحملنه إلا أن يربّين أسودا يقنفون أثر السّنوار.. أطفال غزّة شبّوا قبل وقت الشّباب وشابت قلوبهم قبل وقت المشيب، وأصبحوا يحملون في صدورهم قلوبا من حديد.
هذه حال أطفال غزّة.. لكن، ماذا عن أطفالنا؟ نحن لا نعمّم، فبينهم أطفال يتربّون تربية صالحة في أحضان أمّهات مؤمنات صالحات؛ يحفظون القرآن ويحثّون الخطى إلى المساجد، ويجتهدون في دراستهم، ويتعلّمون كيف يحملون همّ أمّتهم منذ نعومة أظفارهم.. لكنّ هؤلاء -مع كلّ أسف- قلّة.. أكثر أبنائنا لا يسمعون شيئا عن أطفال غزّة الذين يبكون جوعا وتقطّع أجسادهم البريئة بأشدّ الأسلحة فتكا.. وأبناؤنا لا يجدون من يأخذ بأيديهم إلى المساجد وحلقات تحفيظ القرآن، إنّما يجدون آباء منشغلين بلقمة العيش وحسابات المداخيل والمصاريف والأسعار بالليل والنّهار، وأمّهات لا همّ لهنّ إلا الجديد في حليّ الذّهب وفساتين الأعراس والمناسبات والبريستيج والموضة، ولا شغل لهنّ إلا المنافسة في المظاهر الفانية والحديث عن مشاكل العمل والوظيفة أو عن أحداث المسلسلات المشوّقة.
يخرج أبناؤنا إلى الدّنيا فيجدون آباء وأمّهات هذه حالهم، فلا يرون طريقا أخرى أمام إغراء شياطين الإنس والجنّ إلا أن يطرقوا باب الإنترنت ليقضوا ساعاتهم مع الألعاب ومقاطع العبث والتفاهة، وربّما تقع أعينهم على مقاطع خادشة للحياء فيألفونها ويتداعون لمشاهدتها، ويدمنون عليها.. وربّما يقعون ضحية لمروجي المخدّرات، يتواصلون معهم فيغرونهم بتجربتها وحتّى بترويجها.
لقد سمعنا بأطفال في المرحلة الابتدائية يردّدون أسماء الحبوب المهلوسة “الصاروخ، الحمراء،…”، وسمعنا بتلاميذ في الابتدائي تستغلّهم عصابات الاتّجار بالمخدّرات في إيصال الحبوب المهلوسة إلى الزّبائن، وسمعنا بتلاميذ في الثانويات بل وحتى في الإكماليات يتعاطون “الإيريكا” وأخواتها، وسمعنا بأطفال دخلوا مواقع التواصل وأبحروا فيها حتى وجدوا أنفسهم في النهاية ضحايا لشهوات بهائم بشرية، يغتصبونهم ويقودونهم إلى عالم الرذيلة والشّذوذ.
الأمر أخطر ممّا نظنّ؛ مستشارون تربويون في المدارس بحّت أصواتهم بترجّي الأولياء أن يدركوا أبناء ضيّعتهم المخدّرات وقتلتهم الشهوات.. بسبب الإنترنت والمهلوسات، أضحى الشّذوذ الذي نسمع عن أخباره بين شباب الغرب وأطفاله وتشمئزّ نفوسنا منه، ينتشر بين أبنائنا وفتياتنا، أمّا المخدّرات فأصبح الحديث عنها كالحديث عن “الكاوكاو” و”الزريعة”… كلّ هذا بسبب الإهمال الذي نعيشه في بيوتنا. بسبب ثقافة “ألق بالهاتف إلى الطّفل حتّى يكفّ عن الحركة والإزعاج”! وثقافة “اترك الطّفل يخالط من يشاء حتّى لا يكبر معقّدا”!
في كثير من دول الغرب، يمنع الطفل من امتلاك هاتف ذكيّ حتى يجاوز الثالثة عشرة من عمره.. وفي بعض مقاطعات اليابان -بلد التكنولوجيا- لا يسمح للطفل المراهق باستعمال الهاتف الذكيّ لأكثر من ساعة واحدة يوميا، وتنظّم حملات توعية شاملة ومركّزة لتثبيت برامج خاصّة في الهواتف تقيّد المحتوى الذي يشاهده الطّفل والمراهق، وتوقف عنهم الإنترنت في التاسعة ليلا.. ونحن في بلاد المسلمين، يصبح الطّفل على الهاتف، ويظلّ مع الهاتف، ويبيت سابحا في بحره متلاطم الأمواج إلى ساعات متأخّرة من الليل، ويربط صداقات مع حسابات لا يعرف من يقف خلفها، ويشارك في مواقع وحسابات تحرّض على فساد الأخلاق.. كلّ هذا والأمّ مشغولة بعملها أو بمشاكلها مع زوجها.. والأب إمّا مشغول بجلسات المقاهي مع الأصدقاء، أو غارق هو الآخر في بحر مواقع التواصل!
ضياع كثير من الأبناء والشّباب سببه إهمال الوالدين لواجبهما في التربية، أو نشوب الخلافات والخصومات بين الوالدين؛ فلا يجد الأبناء من مهرب إلا العكوف على الهواتف والإنترنت.. ووالله لو تدبّرنا هذه الآيات الثلاث، لذابت قلوبنا خوفا من الحساب بين يدي الله، ولبكينا شفقة على أنفسنا وعلى أبنائنا: الآية الأولى: هي قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ))، والآيتان الثانية والثالثة، هما قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)). أبناؤنا أمانة وديعة.. يخرجون إلى دنيانا صفحات بيضاء، ونحن من يكتب عليها ما نشاء بإذن الله.
إنّ من أعظم الخسران أن يأتي العبد يوم القيامة بحَجّة وعمرة وصدقات وعشرات الآلاف من الصلوات التي أقامها في المسجد، وآلاف الختمات التي أتمّها من القرآن، وينتظر أن يكرم بالجنّة، فيأتي أبناؤه ليقفوا بين يدي الله ويقولوا: “ربّنا إنّ أبانا قد أضلّنا فآته عذابا ضعفا من النّار؛ أبونا كان يشتري لنا كلّ ما نريد ونطلب، ويحرص على صحّة أبداننا، لكنّه ما كان يأمرنا بمعروف ولا كان ينهانا عن منكر، ولا دمعت عينه يوما لأجل صلاحنا واستقامتنا”.. وتقول البنت: “ربّ إنّ أمّي كانت مشغولة بتفاهات الفايسبوك والتيكتوك وبأحاديث الجارات والصديقات والقريبات، وما كانت تأمرني بالصلاة ولا بالحجاب ولا كانت تنهاني عن التبرّج ولا تحذّرني من صحبة التافهات وفتن الهاتف”.
((رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّار)): خطاب الحسرة هذا، لا ينادي به -يوم القيامة- أولئك الذين أنساهم اللهث خلف المناصب هول الحساب بين يدي الله، فقط، فربّما ينادي به أيضا الأبناء الذي أضلّهم آباؤهم، حين وفّروا لهم وسائل الفساد وألقوا لهم الحبل على الغارب وحرموهم من وسائل الصلاح.