أطفال مسلمون في انتظار من ينقذهم
تنزوي “كيجي” و”حسناء” في أطراف ساحة المدرسة المخضرة، وتراقبان أطفال الابتدائي المصطفين في صفوف تحضيرا لخروجهم من أقسامهم.. بعيون شاخصة تراقب الفتاتان حركات الأطفال بزيهم الموحد، وكأنهما يريان مستقبلهما الزاهر، وفي خلدهما ذكريات من شهور ماضية كان لمسارهما أن ينحو منحى آخر..
“كيجي” هي فتاة كمبودية في سنتها السادسة من العمر. توفي أبواها البوذيان اللذان ينحدران من محافظة “روتاناكري” الفقيرة.. فنقلها جدها واثنين من إخوانها إلى معبد بوذي قبل أن يقرر إلحاقهم بمجمع دراسي مسلم..
تم قبول “كيجي” وأخيها فقط.. لكن شقيقها الأكبر (14 سنة) لم يجد مكانا بسبب عدم وجود مناهج دراسية لهذا السن، ولكن أيضا بسب شح الموارد..
“حسناء” أيضا في مثل سن رفيقتها بالغرفة “كيجي”.. توفي أبواها وكانا من المسلمين حديثا، فعثر عليها بغابات “روتاناكري” فتم التكفل بها..
في المجمع، الذي تديره جمعية الرحمة الكويتية، تعيش كيجي وحسناء والعشرات من مثيلاتهما حياة لم يكن أهل قريتهما ليحلموا بها.. فهما هنا مكفولتان من حيث الإقامة والإعاشة والدراسة والترفيه والملابس.. قدر ليس متاحا لآلاف أبناء المسلمين بكمبوديا..
إبادة توحد المسلم والبوذي
يعيش المسلمون بمكبوديا حياة صعبة للغاية.. فهم 800 ألف نسمة، يمثلون ما نسبته 6% من مجموع السكان، ذوي الأغلبية البوذية، قبل أن يكثر التنصير في السنتين الماضيتين..
ميزة هذا البلد، أنه الوحيد تقريبا في منطقة الشرق الأقصى الذي يتعايش البوذي والمسلم فيه دون مشكلات تذكر..
ويرجع الكثير من الفاعلين ممن التقيناهم هنا ذلك إلى الإبادة التي تعرض لهم السكان، مسلمهم وبوذيهم، في فترة حكم “بول بوت” بين 1975 و1979.
وقتل في تلك الفترة، حوالي 3 ملايين كمبودي.. وكان لـ”بول بوت” فكرة أن يبقي المجتمع زراعيا فقط، فنكل بكل من له مستوى تعليمي، أو أبدى أبسط مقاومة لجنوده..
ويخلد الكمبوديون تلك الفترة بمتاحف يقيمونها بالعاصمة “بنوم بن”، لتعريف العالم بمعاناتهم.. حقبة خلفت بلدا منهارا تماما، ومجتمعا فقيرا معدما، وبمستوى تعليمي ثقافي متدن جدا..
التعليم.. الطريق لبناء المجتمع

لا يوجد في كل كمبوديا سوى طبيبن اثنين مسلمين، ومسلم واحد متخرج في تخصص التكنولوجيا، وواحد في الإعلام..
وكل هؤلاء تمت كفالة دراستهم من مسلمين من خارج كمبوديا، عبر اتفاق مع جمعية الرحمة الكويتية العالمية التي تغطي الآن 26 محافظة بكمبوديا..
يعتقد الأستاذ وائل المرسي، مدير مكتب كمبوديا بجمعية الرحمة، أن كمبوديا هي أكثر بلد بالمنطقة يحتاج لتضافر الجهود من أجل مساعدة المسلمين وغير المسلمين، بسبب ما عانوه في الفترة الماضية، وما خلف ذلك من انتشار كبير للجهل والفقر والمرض..
وأكد في لقاء مع “الشروق العربي” أن: المجهود هنا تظهر ثمرته بسرعة، بسبب تعطش هذا الشعب للعلم والتعلم، وبسبب الذكاء غير العادي للأطفال هنا على خلاف بيئات أخرى..
وشرح المرسي أن المسلمين خاصة هنا يحتاجون إلى دعم مادي من أجل توفير الوسائل الكريمة لهم، ولكن أيضا إلى دعم معنوي، “من أجل بناء هؤلاء الأفراد علميا وسلوكيا حتى يتخرجوا كوادر نافعين في مجتمعهم“...
أنشطة مختلفة.. على مستوى عال
وتتنوع الأنشطة الموجهة للمسلمين في جانب التعليم إلى كفالة الطلاب الجامعيين في تخصص الطب والإعلام والتكنولوجيا، كما يعمد المكتب إلى توفير دروس في العربية والانكليزية والصينية، بالإضافة إلى اللغة المحلية..

وبالشراكة مع هيئات عالمية أخرى، يتم التكفل بالأطفال من مرحلة الروضة إلى المرحلة الثانوية، حيث يتم توفير التعليم العام، وأيضا التعليم العصري لهؤلاء..
وبالإضافة لكل ذلك، يتم تعليم الأطفال القرآن واللغة العربية ولغتهم الأم، مع توفير أنشطة ترفيهية وتثقيفية تساهم في نموهم السوي..
دعم يجب ألا يتوقف

تعتبر مؤسسة relief4life العالمية، ومقرها كوالالمبور، من أكثر الهيئات المستثمرة في جانب التعليم بمنطقة شرق آسيا، وأحد الشركاء الاستراتيجيين لمكتب جمعية الرحمة بكمبوديا.. وقد تكفلت المؤسسة بكفالة العشرات من المتمدرسين، وبإنشاء مناهج تعليمية متكاملة للأطفال..
وأحدثت relief4life لأول مرة منصة على الانترنت لتقريب كفالة الأطفال المتمدرسين، من أي مكان في العالم، حيث أضحى أي شخص بالعالم يريد أن يكفل طفلا أن يقتطع 75 دولارا (15000 دينار) شهريا ولمدة سنة، هي تكاليف إقامة وتعليم وإعاشة (فطور وغداء وعشاء) ولبس مدرسة ولبس رياضة و3 بدلات في السنة..
وحسب الدكتور محمد فؤاد، المدير التنفيذي لمؤسسة relief4life.org ، فإن هذه المنصة ستسهل على الكثير ممن يريدون فعل الخير، عبر اقتطاع شهري أن تكون لهم بصمة في إنقاذ أشخاص عجزنا عن فعل أي شيء لهم حاليا، مثل شقيق “كيجي” الأكبر، الذي مازال لحد الآن مكفولا بمعبد بوذي..
ودعا الدكتور محمد الجزائريين، عبر الشروق العربي، أن يكون مبادرين لكفالة هؤلاء الأيتام والمعدمين، لأنكم عانيتم من الاستعمار الفرنسي، وهو نفس الاستعمار الذي كان بكمبوديا..