-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أزواج ميسورون يتخلون عن مواليدهم...!

أطفال ولدوا بإعاقة أو تشوه… فوجدوا أنفسهم بلا عائلة

مريم زكري
  • 65
  • 0
أطفال ولدوا بإعاقة أو تشوه… فوجدوا أنفسهم بلا عائلة

واقع مؤلم يعيشه بعض الأطفال الذين لم يكن ذنبهم سوى أنهم ولدوا بإعاقة أو تشوه خلقي، فبمجرد تأكيد التشخيص أثناء فترة الحمل، تتحول فرحة استقبال المولود لدى بعض العائلات إلى صدمة قد تنتهي، في حالات نادرة، بالتخلي عن الرضيع وتركه يواجه مصيره داخل المؤسسات الصحية أو دور الرعاية.

ورغم أن هذه الحالات لا تمثل شريحة واسعة من الجزائريين، إلا أنها تظل ظاهرة تستدعي دق ناقوس الخطر، لما تخلفه من آثار نفسية وإنسانية عميقة على الأطفال الذين يحرمون من حقهم الطبيعي في العيش داخل أسرة توفر لهم الرعاية والحنان، ويكبرون بعيدا عن والديهم.

فليس كل طفل يولد وسط الزغاريد والفرح، فهناك من يفتح عينيه على الدنيا ليجد نفسه وحيدا، تحيط به أجهزة الإنعاش وأسرة المستشفى بدل أحضان أمه، ويكون أول ما يستقبله من العالم نظرات الخوف والصدمة، لا الابتسامة والاحتضان. ذنبه الوحيد أنه ولد بإعاقة، أو بتشوه خلقي، أو بمضاعفات صحية قلبت أحلام والديه إلى كابوس لم يكونوا مستعدين لمواجهته.

الدكتورة قادة أمينة: مرافقة الأسرة نفسيا واجتماعيا مهم بمجرد تشخيص الإعاقة أو التشوهات الخلقية

في لحظة كان يفترض أن تكون بداية حياة جديدة، تتحول ولادة بعض الأطفال إلى اختبار قاس للأسرة، فتنتصر لدى قلة قليلة مشاعر الإنكار والخوف من نظرة المجتمع على غريزة الأمومة والأبوة، ليجد الرضيع نفسه متروكا داخل أروقة المستشفى أو في إحدى مؤسسات الرعاية، ينتظر من يمنحه اسما وهوية ولمسة حنان. يكبر هؤلاء الأطفال وهم يحملون جرحا لا تلتقطه الأشعة ولا تظهره التحاليل، جرح الحرمان من الأسرة، وهو من أقسى أشكال الألم الإنساني.
ورغم أن هذه الحالات تبقى محدودة في الجزائر، فإن كل حالة منها تمثل مأساة كاملة، ليس للطفل وحده، بل للمجتمع بأسره.
فهي تطرح أسئلة مؤلمة حول مدى استعداد الأسر لتقبل الإعاقة، وحجم الدعم النفسي والاجتماعي الموجه إليها، وكيف يمكن إنقاذ طفل لم يختر إعاقته، لكنه دفع ثمنها بحرمانه من أبسط حقوقه، وهو أن يكبر بين ذراعي والديه.

“وليد” توفي في سن 14 بعد التخلي عنه

وفي هذا السياق، كشفت طبيبة الأطفال وحديثي الولادة، الدكتورة قادة أمينة، من خلال تجربتها داخل المستشفى، عن حالات إنسانية مؤثرة، مؤكدة أن بعض الأطفال عاشوا سنواتهم الأولى، بل وحتى الأخيرة، بعيدا عن دفء الأسرة، مشيرة إلى إن من أكثر القصص التي أثرت فيها حالة طفل أطلقت عليه اسما مستعارا هو “وليد”، فقد تعرض عند ولادته إلى ولادة عسيرة استوجبت إنعاشا طبيا وإقامة طويلة في مصلحة حديثي الولادة، قبل أن تظهر عليه مضاعفات عصبية جعلت الأطباء يرجحون إصابته بإعاقة حركية دائمة.

وأضافت أن والديه قررا التخلي عنه منذ أيامه الأولى، رغم انتمائهما إلى عائلة ميسورة الحال وذات مستوى تعليمي جيد، ليكبر الطفل بين جدران المستشفى، حيث أصبح طاقم التمريض بمثابة أسرته الوحيدة.

وأوضحت أن “وليد” كان يتردد باستمرار على المصلحة الاستشفائية بسبب حالته الصحية، وكان الممرضون يعتنون به، ويهتمون بنظافته، ويحدثونه ويغمرونه بالمحبة، وأضافت أن أكثر ما كان يؤلمهم هو رؤية الدموع تنهمر من عينيه في بعض اللحظات، وكأنه يستشعر الحرمان الذي لازمه منذ ولادته، ليبقى الطفل حسب ما كشفت عنه المتحدثة، على هذه الحال إلى أن توفي عن عمر ناهز 14 سنة، بعد ما قضى معظم سنوات حياته بين المستشفيات وغرف العلاج، في محاولات متواصلة للحفاظ على حياته.

احتضنتهم عائلات ومنحتهم حياة جديدة

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة، إذ تحدثت الدكتورة قادة عن رضيعة أطلق عليها اسم “سيرين”، أحضرها والداها إلى المستشفى بعد الاشتباه في إصابتها بمتلازمة داون، غير أنهما تخليا عنها قبل ظهور نتائج الفحوصات، وبعد استكمال التحاليل، تبين أن الطفلة سليمة تماما ولا تعاني من أي اضطراب وراثي، لتغادر لاحقا نحو أسرة احتضنتها ومنحتها حياة جديدة، من دون أن يعلم والداها البيولوجيان لاحقا عن أمرها شيء، وأكدت المتحدثة أنها شاهدت صورة الطفلة بعد سنوات، وكانت تعيش حياة مستقرة وسط عائلتها الجديدة، معتبرة أن هذه القصة تؤكد أن الأطفال يحتاجون، قبل كل شيء، إلى الرعاية والاحتواء.

أمهات يرفضن أبناءهن… وآباء يعيشون مرارة الفقد

ومن بين أكثر الوقائع إيلاما، تروي الطبيبة قصة رضيع ولد بتشوه خلقي، حيث اضطر إلى دخول مؤسسة للرعاية بعد أن أجبر الأم على التخلي عنه، بطلب من الأب، لأنه من طبقة ميسورة، إضافة إلى ذلك كانا متزوجين بالفاتحة فقط.   

ورغم  التخلي عن الطفل إلا أن الأم، حسب الدكتورة، لم تنقطع عن زيارته، وكانت تحرص على الاطمئنان عليه باستمرار داخل المستشفى إلى أن فارق الحياة، كما استحضرت حالة رضيعة ولدت وهي تعاني من استسقاء دماغي وتشوه خلقي على مستوى العمود الفقري، وهي من الحالات الطبية المعقدة التي تحتاج إلى متابعة دقيقة.

وقالت إن الأم، رغم علمها المسبق بتشخيص الجنين أثناء الحمل، رفضت رؤية طفلتها بعد الولادة رفضا قاطعا، بينما كان الأب يزورها يوميا داخل المستشفى، ويبقى إلى جانبها لساعات وهو يبكي بحرقة إلى أن توفيت بسبب حالتها الصحية المعقدة.

دعوات لترسيخ ثقافة تقبل الإعاقة

وترى المتحدثة أن هذه الوقائع، وإن ظلت محدودة مقارنة بعدد الولادات، تعكس الحاجة الملحة إلى مرافقة الأسرة نفسيا واجتماعيا منذ اللحظة الأولى لتشخيص الإعاقة أو التشوهات الخلقية، لأن كثيرا من الآباء والأمهات يجدون أنفسهم أمام صدمة لا يعرفون كيفية التعامل معها.

وشددت الدكتورة قادة على أهمية نشر ثقافة تقبل الإعاقة داخل المجتمع، وتعزيز منظومة الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي للعائلات، حتى لا يتحول الطفل إلى أول ضحية للخوف أو اليأس أو الوصمة الاجتماعية، مؤكدة أن الطفل، مهما كانت حالته الصحية، له الحق في الرعاية والحماية والعيش داخل بيئة أسرية آمنة، وأن الإعاقة أو التشوه الخلقي لا ينبغي أن يكونا سببا في حرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!