الرأي

أفلح إن صدق

يظن كثير من المسلمين أن نجاتهم من النار وفوزهم بدخول الجنة مرتبط ـ فقط ـ بالعبادات،‮ ‬أي‮ ‬الصلاة والزكاة والصوم والحج بعد الشهادتين‮.. ‬

ولذلك نراهم‮ ‬يكثرون من هذه العبادات كصلوات النوافل،‮ ‬والصيام التطوعي،‮ ‬والصدقات والحج التطوعي،‮ ‬حتى إن شخصا صرح منذ فترة إلى جريدة الشروق بأنه حج اثنتين وأربعين مرة‮.. ‬كأنه‮ ‬يمُن على الله ويستكثر‮..‬

إن هذه العبادات ليست بمنجيةٍ‮ ‬صاحبها إلا بشرطين اثنين،‮ ‬هما‮ “‬الصحة‮” ‬و”الإخلاص‮” ‬فمن زاد فيها أو أنقص أو لم‮ ‬يقصد بها وجه الله ـ عز وجل ـ ردّت عليه‮.‬

إن المهم في‮ ‬هذه العبادات التي‮ ‬تعبدنا الله ـ عز وجل ـ بها ليست‮ “‬الكثرة”؛ ولكنه‮ “‬الإخلاص‮”‬،‮ ‬ولا مرية في‮ ‬أن خلوّ‮ ‬تلك العبادات من هذا الشرط هو الذي‮ ‬جعلها لا تؤتي‮ ‬ثمراتها،‮ ‬وصيّرها كما قال الإمام الإبراهيمي‮ ‬إلى‮ “‬عبادات ميكانيكية‮”. ‬فلا الصلاة نهت أكثرنا عن الفحشاء والمنكر،‮ ‬ولا الزكاة طهرتنا وزكتنا،‮ ‬ولا الصوم أكسبنا التقوى،‮ ‬ولا الحج أبعدنا عن الرّفث،‮ ‬والفسوق،‮ ‬والجدال‮..‬

جاء في‮ ‬كتب السيرة النبوية الشريفة أن أحد البادين في‮ ‬الأعراب قدم المدينة المنورة،‮ ‬وسأل عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدلّ‮ ‬عليه،‮ ‬وجرى بين هذا البادي‮ ‬وبين رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ حوار‮.‬

قال هذا الأعرابي،‮ ‬ولم‮ ‬يكن قد أسلم‮: ‬إلام تدعو‮ ‬يا محمد؟ فقال رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ‮: ‬أدعو إلى شهادة أن‮ “‬لا إله إلا الله،‮ ‬وأن محمدا رسول الله‮”‬،‮ ‬فقال البدوي‮: ‬ثم ماذا؟ فقال‮: ‬خمس صلوات في‮ ‬أوقاتها،‮ ‬فسأل الرجل‮: ‬هل عليّ‮ ‬غيرها؟ فأجاب الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا،‮ ‬إلا أن تطوع‮.. ‬ثم قال‮: ‬وإيتاء الزكاة،‮ ‬ومقدارها في‮ ‬كل ما وجبت فيه ـ بعد توفر النصاب وحولان الحول ـ كذا‮.. ‬ولا زيادة في‮ ‬ذلك رلا أن تطوع‮.. ‬وهكذا في‮ ‬الصوم،‮ ‬وفي‮ ‬الحج‮.. ‬والبدوي‮ ‬يسأل‮: ‬هل علي‮ ‬غير هذا،‮ ‬والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ‮ ‬يرد‮: ‬لا،‮ ‬إلا أن تطوّع‮..‬

عندها قال الأعرابي‮: ‬والله،‮ ‬لا أزيد‮.. ‬فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‮: “‬أفلح إن صدق‮”.‬

إن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر في‮ ‬كثير من أحاديثه الشريفة المؤمنين بالإكثار من‮ “‬العبادات”؛ ولكن العبادات المؤداة بالشرطين السالفين،‮ ‬فإن لم‮ ‬يضمنهما‮ “‬العابد‮” ‬فليحرص على الحد الأدنى منها مع سلامتها والإخلاص فيها‮..‬

وفقنا الله ـ عز وجل ـ إلى عبادته على الوجه الأكمل،‮ ‬ورزقنا ثمرات هذه العبادة‮.‬

مقالات ذات صلة