-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أفيقوا‮… ‬الجزائر‮ ‬ليست‮ ‬ضرة

مصطفى صالحي
  • 5547
  • 4
أفيقوا‮… ‬الجزائر‮ ‬ليست‮ ‬ضرة

الواضح من وقائع زيارات الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، ولغة خطاباته المنتقاة، أن باريس هي باريس، لم تتخل بعد عن فكرها الاستعماري كعقيدة تؤمن بها فلسفات الساسة من النخبة، وأن هولاند، ورغم شعارات التغيير و”المكان يسع الجميع”، يبقى مجرد واجهة ستتغير وتعود أنفاس‮ ‬قصر‮ ‬الأليزيه‮ ‬إلى‮ ‬سابق‮ ‬عهدها‮ ‬بعد‮ ‬تحقيق‮ ‬أهداف‮ ‬استراتيجية‮ ‬معينة‮ ‬ومحددة،‮ ‬بعيدا‮ ‬عن‮ ‬أي‮ “‬عبث‮ ‬سياسي‮”.‬

فرنسا، وبحكم هيمنة الفكر الاسعماري، مازالت تمارس وصايتها على مستعمرات الأمس، بما فيها الجزائر والمغرب، وترفض الاعتراف بجرائمها في حق الشعوب، على لسان هولاند، ساركوزي، شيراك، لا يهم، تتلاعب بالكلمات، بالتاريخ، بالروابط، بما يكرس هيمنتها ويحفظ ماء وجه ماضيها‮ ‬القاتم،‮ ‬مكتفية‮ ‬بالتلميح‮ ‬والإشارة،‮ ‬وبما‮ ‬لا‮ ‬يمكن‮ ‬اتخاذه‮ ‬دليلا‮.‬

وخلافا لما ذهب إليه إخواننا في المغرب، فإن هولاند لم يعتذر ولم يندم على فظائع استعمار بلده، ومن الجنون وضع مشاهده وممارساته البشعة في الجزائر والمغرب في سلة واحدة، فالفرق بين بين مجرد وصاية انتهت بانسحاب، واستدمارا انتهى باستقلال بعد ثورة وتضحيات عظيمة وانهار‮ ‬من‮ ‬الدماء‮ ‬وجبال‮ ‬من‮ ‬الجماجم،‮ ‬كما‮ ‬قال‮ ‬ذات‮ ‬يوم‮ ‬الراحل،‮ ‬هواري‮ ‬بومدين،‮ ‬يستحيل‮ ‬أن‮ ‬تصبح‮ ‬جسرا‮ ‬للمودة‮ ‬والعشق‮. ‬

وحديث هولاند عن مخطط المخزن لحل مشكلة الصحراء الغربية، استمرار لموقف معروف مناهض لكل حركات التحرر وحقوق الشعوب، لأن نكران حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ليس تصرفا حضاريا أو قيميا يؤمن به الرأي العام الفرنسي وتعمل به المجموعة الدولية، بل هو سلوك شاذ مناقض لقيم الثورة الفرنسية ذاتها، وتظاهر صارخ لصدمة رسخت في اللاشعور والذاكرة الفرنسية “السوداء”، غرستها ثورة التحرير في الجزائر، وأجلست الإليزيه إلى طاولة التفاوض ندا لند، ليقررا الاحتكام إلى تقرير المصير، ومن ثمة الاستقلال، كما أن تنفيذ خطة الاستفتاء الأممية في الصحراء الغربية هو انتصار للدبلوماسية الجزائرية وقناعاتها، لذلك فإن مجرد ترديد مصطلح تقرير المصير يزعج الإليزيه، وأن مفهومه في القاموس السياسي الفرنسي يعني الانهزام والانكسار، يجب ألا يتكرر في تعاملاتها.

الكل يدرك ويتصرف مع شمال افريقيا من منطلق أنه منطقة نفوذ فرنسية لا يجب وضع قدم فيها تكبر أو تمحو أثر القدم الفرنسية، والكل شاهد طريقة تدخل فرنسا في شمال مالي المفاجئ والخارج عن الأطر الأممية، في ساحل العاج، وافريقيا الوسطى، و.. و..، ولا أحد تجرأ على الطعن في‮ ‬شرعيته،‮ ‬وشاهد‮ ‬أيضا‮ ‬على‮ ‬ممارسات‮ ‬إذكاء‮ ‬الأزمات‮ ‬في‮ ‬المستعمرات‮ ‬السابقة‮ ‬لتتدخل‮ ‬وتفرض‮ ‬وصايتها،‮ ‬محركة‮ ‬ذراعها‮ ‬في‮ ‬مجلس‮ ‬الأمن‮ ‬الدولي،‮ ‬وهو‮ ‬أمر‮ ‬نادر‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬المستعمرات‮ ‬البريطانية‮ ‬السابقة‮. ‬

إن ما أفضى به هولاند في المغرب، لم يخرج عن هذا السياق “التاريخي المتجدد”، فتعامل باريس اختلف باختلاف طبيعة وحرارة علاقتها مع المغرب والجزائر، وبشاعة تركة “الحضارة” الفرنسية، التي صالت وجالت، وهي تدوس وتقتل، تغتصب، تحرق وتدمر كل ما يرمز إلى هوية الآخر، لكنها‮ ‬لم‮ ‬تستطع‮ ‬تغيير‮ ‬الجغرافيا،‮ ‬ولو‮ ‬استطاعت‮ ‬ابتلاع‮ ‬مياه‮ ‬البحر‮ ‬المتوسط‮ ‬المالحة‮ ‬والتقيؤ‮ ‬بها‮ ‬في‮ ‬المحيط‮ ‬الهادي‮ ‬لفعلت،‮ ‬حيث‮ ‬ظلت‮ ‬الجغرافيا‮ ‬كما‮ ‬هي،‮ ‬والتاريخ‮ ‬كذلك‮ ‬طيلة‮ ‬قرن‮ ‬ونيف‮ ‬من‮ ‬العبث‮ ‬والتجسيد‮. ‬

تعامل باريس مع المنطقة ومستعمراتها السابقة طبيعي وعادي، ومن مصلحتها أن تبقي على علاقاتها “التباينية” مع دولها، وتعززها بما يخدم مصالحها وبأقل الأضرار، ولكن المشكلة والمأساة كامنة فينا فكريا ونفسيا، جعلت منا ضرائر يجتهدن من أجل إرضاء الزوج، ولو بالتضحية والكيل والكيد للأخرى، حتى صارت ترى راحتها في ضعف الأخرى، وليس فيما يجب أن يكون الحال، ويبدو أن فرنسا أدركت هذا السر، وراحت تحرك وتقفز على الوتر، لذلك فإن ما يحدث من ارتدادات هنا وهناك ليس سوى صدى نابع من قوقعة فارغة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • صالح

    سياسة الدول مبنية على المصالح وفقط ، ولا مكان للعواطف او للثم " لبوس " الايدي ( الملطخة بالاستعمار والاحتلال ) المباشر و غير المباشر ، والذي غذاه ويغذيه اليمين واليسار على السواء .
    التاريخ يعلمنا انه لافرق بين اليمين واليسار عندما يتعلق الامر بمصالح فرنسا والفرنسيين الحيوية .
    اليمين قام بتخريب ليبيا ، اليسار يقوم بتخريب مالي ، سوريا وماجاورهما .
    هم يتنافسون على خدمة فرنسا . بينما في الجزائر وفي المغرب يتنافسون على وهم الصداقة واولوية هذه على تلك .
    البعض لديهم القابلية للاحتلال وللاستعمار .

  • اسحاق

    ربى يرحم الشهداء . لقد تم اغتصاب الجزئريات من قبل الجنود الفرنسين و تم اعدام الشيوخ و الاطفال و من منكم لايعرف طريقة اعدام الشهيد زبانا و العقيد عميروش و غيرهم رحمة الله عليهم.
    اجيال الجزائر اليوم لايعرفون تاريخهم وبطولات شهدائنا الابرار.
    كلما تدكرت شهدائنا و انا من جيل الاستقلال احقد اكثر عل فرنسا كما احقد اكثر على اصحاب السلطة فى الجزائر الدين هم فى حالة ركوع دائم لفرنسا المكرة.

  • الشلوسي

    فعلا كل ما أشرت اليه صحيح لكن هذا لم يكن موجود خلال حكم الراحل هواري بومدين رحمة الله عليه ولا خلال حكم السيد اليمين زروال أطال الله في عمره...

  • الورزازي

    العالم مبني على المصالح خاصة بين الدول.المغرب يعرف جيدا مصالحه
    والغريب في الامر ان مصالح المغرب تتطابق مع مصالح الجزائر لكن بتفكير وعقلية القرن 21 وليس بعقلية الحرب الباردة.
    كل بؤر هذه الحرب انطفاءت الا بين الكوريتين وما بين المغرب والجزائر.
    فهل المسيرون لدفة الجزائر يعرفون فعلا اين هي مصلحة الجزائر ومستقبل اجيالها واجيالنا ايضا
    ونظرا لاستحالة الاتجاه شرقا لم يبق للمغرب الا الاتجاه جنوبا وشمالا وغربا في عالم التكتلات و انمحاء الحدود .
    اخترتم طريقكم واخترنا طريقنا "وكل واحد ربي يعاونو"