أقفال العفة للمفاوض العربي
ربما تكون وزيرة خارجية الكيان الصهيوني الأسبق تسيبي ليفني أرادت أن يصدق الناس صدق مثل دارج فرنسي يقول: “أن المرأة تسيطر على الرجل بالبطن وأسفل البطن”، وقد علمنا من تسريبات سابقة، وروايات صحفية، كيف ينساق بعض قادة العرب للغواية بملذات البطن، من مآكل ومشارب تبطل عندهم بوصلة إدارة المفاوضات، وواجب الدفاع المستميت عن حقوق ومصالح دولهم وشعوبهم، وكنا نخشى عليهم من مكايد وشراك المناطق الحمراء المعدة في العواصم الغربية لغواية علية القوم، حتى قطعت لنا هذه اليهودية الشك باليقين، وكشفت كيف كانت تكسب جولات المباحثات مع كبير المفاوضين الفلسطينيين صايب عريقات على بساط ناعم، بغرفة محفوفة بكاميرات التجسس على عوراتهم الخَلقية قبل أن تعري عوراتهم الخُلقية على البساط الأخضر أمام كاميرات التلفزيون.
وفي الجملة، ما كان ينبغي لنا أن نفاجأ، لا بتصريحات ليفني، ولا بفتوى الحاخام الصهيوني الأكبر، الذي شرع لليهوديات ما يشبه “جهاد النكاح” كما روج له بعض مشايخ آخر الزمن في سورية، لأن الوصفة قديمة، قد جربتها الإمبراطورية الرومانية على نطاق واسع مع الوافدين عليها من علية الأقوام الساقطة تحت سيطرة روما، وسبقتها إلى اللعبة ملكة مصر كليوباترا، التي روضت على نفس البساط القائد الروماني أنطوان رفيق يوليوس قيصر، ودوخت مجلس شيوخ روما، وكان الزعيم الأمازيغي يوغرطة قد شهد على فساد مجتمع السياسة بروما، حين اعتلى هضبة بالمدينة الخالد وهو يقول: “هنا كل شيء يباع ويشترى حتى ذمة شيوخ روما”.
ما كان ينبغي لنا أن نلتفت إليه في هذه الاعترافات التي تسيء للراشي والمرتشين بهذه العملة القذرة، هو توقيت الاعتراف الذي يأتي وسط جهود أمريكية لبعث مفاوضات الفرصة الأخيرة بين الكيان والسلطة، تغلق الملف على عجل قبل أن يصعق حلفاء أمريكا من العرب المعدلين بترتيبات الصفقة القادمة في جنيف اثنين، ولأن التصريحات تأتي متزامنة مع لغم آخر يفجر هذه الأيام في وجه سلطة أوسلو على خلفية جريمة تسميم القائد الراحل عرفات، وتوجيه أصابع الاتهام لجماعة أبو مازن.
الأهم عندي أن تحفزنا هذه الاعترافات لمراجعة سلوكنا التفاوضي على جميع المستويات مع هذه المؤسسات الإجرامية في الدول الغربية الحديثة، وأن نختار: بين أن نطالبهم قبل الجلوس على طاولة المفاوضات بالقول: “أخرجوا لنا نظراءنا في الخلق من رجالكم”، وقد يمتنع علينا وقتها أكثر من نصف فرص التفاوض، لأن الغرب قد سبقنا إلى تأنيث أكثر من نصف حكامه وقادته في السياسة والاقتصاد، وحتى في قيادة الجيوش، أو نحاكيهم بتسليم قيادة فرق التفاوض للجنس اللطيف، أو نستعير من القرون الوسطى الأوروبية منظومة “أقفال العفة” التي كان يضعها أمراء الإقطاع لزوجاتهم، تحمي أعراضهم في حال الغيبة الاضطرارية، أو نتخير للتفاوض من الرجال والنساء من بلغ منهم سن اليأس، وحتى في هذه الحالة لن نأمن أن يؤتى المفاوض من البطن، إذا كان أسفل البطن قد عطله الزمن أو أعطبته الزمانة.