أكبر من تهديد.. كورونا!
بَيَّنَ التهديد الصحي الذي ضرب بلادنا في المدة الأخيرة، والتهديد السياسي الذي عرفته قبل اليوم، وكذا جميع أشكال التهديد الأخرى من الاقتصادي إلى الأمني إلى النفسي، أننا في حاجة إلى مرجعيات في كل مجال من هذه المجالات نعود إليها ونسمع لها ونُطبِّق توجيهاتها ونحتكم إليها عندما تختلط علينا الأمور ولا نعرف الوِجهة الصحيحة من الوجهة الخاطئة.
مشكلتنا بالأساس هي هذه. أخطر ما يمكن أن يصيبنا هو فقدان المرجعية في أي مجال من المجالات بما يحدِثه ذلك من اضطراب على كافة المستويات وإضعافٍ لكافة الجبهات.
لقد أصبح كل مَن هبّ ودب يتكلم في الصحة والفيروسات والوقاية… وللأسف يجد من يسمع له! وكل مَن هبّ ودب يتكلم في السياسة وأساليب الحكم وإدارة الصراع الدولي وكيفية التعامل مع الشرق والغرب، وللأسف يجد من يسمع له ويتبعه أحيانا ويرجع إليه في ما ينبغي أن يفعل وألا يفعل!
وقس على ذلك مسائل الأمن الغذائي والأمن القومي بشكل عام، فضلا عن تلك القطاعات الحساسة التي أصبحت منذ سنوات مرتعا يتحدث فيه الجميع رغم حيويتها وضرورة بقائها ضمن أهل العلم والاختصاص كالتعليم والدين والمسائل المتعلقة بالتاريخ والهوية وما إلى ذلك.
مشكلتنا للأسف هي هذه، وما دُمنا لم نحلّها فلن نتمكن من مواجهة أي تهديد. ما دام الناس دون مرجعيات محدَّدة، تَحكُمُ مواقفهم العواطف والأهواء، ويضعون في نفس الدرجة العالم والجاهل فإن أي سياسة يتم اختيارُها لتحسين أحوالهم ستفشل وفي أي قطاع من القطاعات بما في ذلك مواجهة مثل هذا الوباء الذي أصابنا، وهو أقلّ خطورة من وباء مرض السياسة الذي نعيشه أو مرض سوء تسيير الدولة الذي نتحمل اليوم جميع الأخطاء المترتبة عنه.
وما دمنا كأمّة لم نتمكن من الاتفاق على مراجع نعود إليها ونوكِّل لها أمورنا المختلفة فإننا سنبقى دون بوصلة نتحرك من خلالها، نسير خبط عشواء، ليس فقط ونحن نواحه التهديدات المختلفة، إنما، وهو الأخطر، ونحن نتعامل مع المستقبل.!
لذا، فإنه بات لزاما علينا اليوم التفكير في هذه المسألة بجدية. ولا تنقصنا الكفاءات التي يمكن أن نرجع لها في كل شأن، إنما ينقصنا تنظيم هذه الكفاءات في هيئات عليا دائمة، ملزمة الرأي، وليست مناسباتية، تكون لها كلمة الفصل في كل مسألة أو تهديد يلمّ بنا في أي مجال كان.
أما وأن تبقى الأمة رهينة توجيهات يصدرها أي كان من أي مكان، فذلك هو الداء الأكبر الذي لا ينفع معه أي دواء.