ألـّي حرثوا دكّوا!
عاد مؤخرا الأستاذ صالح عوض من السودان الشقيق، وحدثني عن “فرص الاستثمار” المتهاطلة هناك بأرخص الأثمان، خاصة في المجال الفلاحي والثروة الحيوانية، وتساءلت: لماذا لم تنجح “المفاوضات” التي انطلقت بين الجزائر والخرطوم، في أعقاب “ملحمة أمّ درمان”؟
فجأة، تذكرت السفيرة الأندونيسية الجديدة، وهي تقول أو بالأحرى تتهم من بسكرة: “الاستثمارات الأندونيسية لا تريد أن تتقدّم، والسبب عراقيل بيروقراطية”.. وربما لو سألنا إخواننا السودانيين لرددوا نفس هذه العبارة التي تؤلمنا وتمزقنا وتذبحنا ذبحا قبل أن تخرج من أفواه الأجانب حتى وإن كانوا من الأشقاء!
لماذا يا ترى يسيل لعاب المستثمرين، فيستوردون لنا اللحوم “الجيفة” أو حتى الحلال من البرازيل والهند والهندوراس، ولا يسيل لعابهم على استيرادها من السودان مثلا رغم “التسهيلات” و”الامتيازات” التي تحدث عنها الطرفان مرارا وتكرارا، لكنها سرعان من تبخرت واختفت؟
توجهت قبل سنوات إلى دولة “صديقة”، لا وصول إليها إلاّ بعد أكثر من 14 ساعة في الطائرة، وفي ختام جولتي المهنية، نظمت هذه الدولة معرضا دوليا ضخما، افتتحه رئيسها، وحضره سفراء وقناصلة ومستثمرون وإعلاميون من كلّ بلدان العالم!
دفعتني “جزائريتي” لأسأل عن مكان تواجد السفير الجزائري، لكنني تفاجأت أنه لم يحضر، واكتفى بإيفاد “ممثله”، وعندما اقترب آنذاك من هذا الأخير، وفي دردشة ثنائية، سألته وديا عن سرّ غياب “صاحب السعادة”، فأعلمني مبتسما بأن “زحمة المرور” منعته من الوصول!
لحظتها انفجرت ضحكا، لكنني سرعان ما تيقنت أن الموقف يقتضي البكاء والنواح والعياذ بالله، على هذه “المجزرة”، وعلى هذا الإهمال واللامبالاة والاستهتار، الذي يُضيّع علينا فرص استقطاب المستثمرين والسياح من هنا وهناك لأسباب تبقى تافهة وحمقاء!
كذلك، التقيت في دولة “عربية” برجل أعمال “كبير”، قبل سنوات، أراد الاطلاع على السوق الجزائرية، فقصد رفقة حرمه سفارتنا في دولته، لكنه بعد فترة، علم بأن طلبه الحصول على التأشيرة تمّ رفضه لأسباب لم يفهمها، فألغى زيارته الاستكشافية وهو “يبكي”، وضيّعنا على أنفسنا فرصة أخرى!
كلّ الدول عندما تدعو فنانين “محترمين” وإعلاميين محترفين ومستثمرين نزهاء، فإنها هدفها الترويج لنفسها، فتنتعش الاستثمارات والسياحة والتجارة، وغيرها، لكن نحن لا ندعو أحدا، وإذا دعونا لا نعرف كيف “نستغلّ” العملية في الماركتينغ، وإلاّ فإننا نتفهها ونعتبرها تضييعا للمال والوقت!