الرأي

ألـّي ضرباتو يدّو ما يبكي!

جمال لعلامي
  • 3097
  • 2

حكاية “تحتام” بعض التجار للبن مع الحليب، بسبب ندرة هذا الحليب “الفايح”، لا تختلف كثيرا عن “تحتام” الانترنيت والتكنولوجيا للعبة الحوت الأزرق القاتلة على الأطفال، حالها حال “تحتام” التقشف على المواطنين بسبب أزمة البترول، و”تحتام” الاختيار بين “الطاعون” و”الكوليرا” في عملية انتخاب أعضاء المجالس المخلية، وكذا “تحتام” الموت بالقنطة أو الموت باليأس على مستوى الجزائر العميقة بسبب “حقرة” الأميار وبيروقراطية الولاة!

إجراءات “التحتام” و”التحتيم”، وصلت الآن إلى إجبار الأولياء على “تمويل” المطاعم المدرسية لضمان وجبة ساخنة أو حتى باردة لأبنائهم المتمدرسين عبر المؤسسات التربوية التي لم تفتح أبوابها إلى غاية اليوم، مع انطلاق العدّ التنازلي لدخولهم والأساتذة في العطلة الشتوية!

هذا “التحتام” هو الذي أسال لعاب مستوردين، استوردوا للجزائريين “كات تشوب” و”مايونيز” و”كيوي” و”أفوكاتو” و”العلك” بملايير البترول عندما كانت البقرة الحلوب “على ديدانها”، وهذا “التحتيم” هو الذي جعل “الفاف” تستورد مدرّبين أجانب من المستوى الأوّل والأخير، مقابل أجرة منتفخة بالأورو والدولار، المدفوعة من بورصة السكوار!

أتذكـّر عندما كنا صغارا، في الثمانينات، كيف كانت مع بداية الأزمة الاقتصادية آنذاك، التي سبقت أحداث 5 أكتوبر 1988، أسواق الفلاح “تحتـّم” على زبائنها الدقيق والفرينة مع “الفئسان”، والحال أن ذلك “التحتام” كان ذكيّا وموجّها وحاملا لرسالة، لم يفهمها أولي الألباب في ذلك الوقت، لكن أعتقد أنها كانت تريد أن تقول لمن يتدافع ويتزاحم في طابور السميد، خذوا الفأس واذهبوا به إلى أرض أجدادكم لترعوا القمح وتتخلصون من التبعية الغذائية!

لم يفهم هؤلاء وألئك الرسالة المشفرة، ولذلك جاء ما جاء بعدها، ووصل بنا الحال الآن بعد قرابة الثلاثين السنة، إلى تقبّل شراء الحليب باللب “القارص”، أو حتى بالعنب مثلما حدث في إحدى الولايات الغربية خلال الصيف الماضي، وقد يأتي يوم إن لم تستو الأمور، ويصبح الحليب يُحتـّم مع “الكورواسون” إن لم يتمّ تحتيمه بالخبز الماسي!

سقوط مبدأ حرية الاختيار، هو مؤشر خطير، في أيّ بلد، وعند أيّ شعب، تدخله مثل هذه “الفهامة”، فقد حتّمت علينا التكنولوجيا “الملعونة” مثلا استبدال واجب صلة الرحم، ببعده الديني والاجتماعي والعائلي، استبداله برسائل الـ”sms”، التي نخرت قوى المجتمع ومزقته تمزيقا وحوّلت الأفراد والجماعات إلى جثث هامدة بلا روح تعبث بها المفاهيم الدخيلة!

لقد “حتـّموا” علينا ثقافات جديدة، وعادات وتقاليد تتضارب في عمقها وأصلها وفصلها بعاداتنا وتقاليدنا، وحتّموا علينا “الجينز الممزّق” وحتى “تنزيل السراويل”، وأصبحت “القشابية” والبرنوس و”الحايك والعجار”، من علامات التخلـّف والرجعية.. فعلا هي علامات الساعة!

مقالات ذات صلة