أمهات عازبات منبوذات رمت بهن الحاجة إلى الاسترزاق بأجسادهن
تحالف الفقر مع الحاجة والتشرد ونبذ العائلة، وتنكر المجتمع وفخ المنحرفين وبريق أموال ذوي النفوذ والأعمال، لتخرج مشهدا حزينا قاتما مؤلما للإنسانية المعذبة في الأرض، وراء أسوار حوش اسبيطار في أحد أحياء مدينة خنشلة بمدخل حي شعبي يضم في دهاليزه، وبين سكناته القديمة المنسية عائلات تعيش قمة الحرمان، وأشد أشكال العذاب، والألم الدفين في غفلة عن المجتمع والمنتخبين والجمعيات.
الشروق اقتحمت أسوار حوش المعذبين في الأرض، أين تستقر فتيات في مقتبل العمر في غرف متسلسلة بأبواب ضيقة على طول واجهتي الرواق الرئيسي، أشبه ما تكون بمداخل مغارات إنسان ما قبل التاريخ، من بينهن نادية ذات 23 ربيعا من مدينة سوق أهراس، تعرضت عشية ذات يوم إلى عملية اغتصاب من قبل 3 شبان منحرفين، تجهل هويتهم، فاجأنها عند زاوية معزولة في بلدية مداوروش، وتركنها تعالج آلاما حادة وتواجه مصيرا مجهولا دون أن تجرؤ على مصارحة أهلها بما حصل، إلى أن بدأ بطنها يعلن للعيان عن جنين اكتمل خلقه، فتقرر الاختفاء عن الأنظار، وتترك دراستها قبل أن تفر بنفسها إلى وجهة مجهولة حتى وضعت حملها وتركته إلى الأبد في أحضان المجهول بعيادة الولادة، وتنضم إلى زميلاتها اللاتي سبقنها إلى الوقوع في مستنقع الرذيلة والمتاجرة بأجسادهن كحل وحيد بعد أن نبذهن الأهل وتنكر لهن المجتمع.
فريدة هي الأخرى في الطابق الثاني من حوش العذاب أم عازبة من اريس بباتنة تخلت عن ابنها مرغمة من قبل إخوتها، الذين طلبوا منها الاختيار بين أمرين الموت انتحارا أو قتلا أو الاختفاء إلى الأبد، وكان الأب قد عمل المستحيل لحماية ابنته من هذه النهاية المأساوية، واضطر إلى الرحيل وترك المنزل رفقتها إلى أن انتهى بها المطاف بحوش الأحزان، وتبدأ حياة جديدة لا مناص فيها من أن تأكل بجسدها، في انتظارمحسن ينتشلها من هذا العذاب، فتكون له خادمة طول العمر.
أما سهام فبدورها ذات الخمسة عشر ربيعا، من فكرينة بأم البواقي تخلت عنها عائلتها بعد أن تعرضت من جهتها للاغتصاب من شاب وعدها بالزواج ذات ليلة وهجرها مختفيا دون رجعة، ولم تجد من ملجأ يؤويها سوى هذا الحوش في انتظار من يمد لها يدا إنسانية رحيمة، لتبدأ حياتها بعيدا عن مستنقع الرذيلة والمصير المجهول رفقة أترابها وجاراتها، سعاد من عين البيضاء وليلى من خنشلة وعتيقة من قايس ونورة من سطيف، وأحلام من قسنطينة اللاتي تحمل كل واحدة منهن قصة عذاب تتفطر لها القلوب وتذوب لها الصخور حزنا وألما.
.
مطلقات طردن مع أبنائهن من بيت الزوجية واستبدلن بمراهقات
لم يقتصر مصير المعذبات في الأرض على القاصرات والمراهقات اللاتي دفعت بهن أخطاء المجتمع وغفلة الأهل، ورمى بهن غدر الأحبة إلى حضن هذا الجحيم والمصير المشؤوم، ولكن أيضا على الزوجات الآمنات والأمهات الصالحات كمثل المعذبة شافية التي غدر بها زوجها، ذات يوم عندما تسلح بقلب كالصغر، واستبدلها بمراهقة في سن ابنته الكبرى، وارتمى في أحضانها كالطفل المدلل ولجأ إلى طلاقها وطردها من مسكن الزوجية لينفرد بسيدته الجديدة بعد أن حقق لنفسه لقب “رجال الأعمال“، تاركا أم أبنائه وبناته بلا نفقة لتضطر هي الأخرى بعد أن طوحت بها الأيام والسنون في كل زاوية وحي، قبل أن تستسلم لقدرها، وتغرق هي الأخرى في مستنقع الاسترزاق من مستنقع الرذيلة مكرهة للإنفاق على أبنائها إلى أن تضمن نجاتهم والاستقلال بأنفسهم.
.
أطفال بلا هوية يكبرون بين أحضان الضياع
إنهم أطفال من آباء ارتكبوا يوما في لحظة غفلة جريمة زرعهم في رحم فتيات قاصرات ومراهقات غافلات، ثم اختفوا إلى الأبد أحياء يرزقون، تاركين فلذات أكبادهم محرومين من لقب أب يخوضون به مرفوعي الرأس حياتهم وسط المجتمع دون عقدة، ويتمكنوا به من نيل حقوقهم كاملة في الدراسة والعمل وتحقيق أمنياتهم ورسم مستقبلهم دون خوف، أسامة ونبيل وأكرم ووحيد وعماد وغيرهم يقضون معظم ساعات أيامهم يلعبون عند باب حوش الأحزان وفي الساحات والأزقة حوله ببراءة، وهم لا يدركون ما ينتظرهم عندما يشتد عودهم ويجدون أنفسهم بين جموع الشباب محرومين من كل الحقوق، فيما يعيش آباؤهم المجهولون حياتهم الطبيعية في رغد واستقرار وهناء، ومن يدري فقد تجمعهم بإخوانهم وأخواتهم يوما مواقف لا يعلم طبيعتها وكنهها وخطورتها إلا الـــله.
صاحب المسكن أكد لنا أنه يفضل إيواء هؤلاء النساء المشردات بأجرة 1000 دينار للشهر، عوض تركهن نهبا للمنحرفين في الشوارع والسكان، طالبوا بإسكانهن في مجمعات سكنية جديدة أو تحويلهن إلى مراكز إيواء العجزة، وقد قدموا شكاوى سابقة لدى مختلف المصالح.