طلقة بارود
أنا معكم… أنا ضدكم
إذا تجاوزنا آراءنا الانطباعية عمّا أصبح يسمى بالمسيرات السبتية، هل يمكن التنبؤ مبكرا بمآلاتها في المدى القريب أو المتوسط وافتراض أن تتحول إلى فعل تاريخي، يمكن أن يساهم في تركيب ممكنات التغيير خضوعا لمنطق التونسة أو المصرنة؟
-
أو بمعنى آخر، إذا كانت مشكلات الاستبداد السياسي، ومفارقات السلطة والثروة، ومشاكل الفقر والبطالة، هي القاسم المشترك في المطلب التغييري العربي بصفة عامة، فإلى أي حد يمكن أن يشكل نموذج الثورة التونسية والمصرية ضد هذه الأوضاع، القاطرة التي تجرّ بقية الشعوب العربية إلى الثورة ضدّ أنظمتها الفاسدة، وإلى أي حدّ بالتالي يمكن أن يكون ذلك منسجما مع منطق الحالة الجزائرية، خصوصا إذا كان التغيير يعني في نظر المطالبين به تغيير النظام وإسقاط رموزه؟
-
عندما نكذب من شدة الصدق
-
الحقيقة أن التأمل السريع في العناوين الكبيرة التي اندرجت تحتها مطالب المسيرات التغييرية، لا يمكن أن تمنحنا إلا الإحساس بما يمكن أن يعبّر عن مطامح معظم الجزائريين وتطلعاتهم نحو الأفضل السياسي والمعيشي، ولعل بعض من استجاب لهذه المسيرات أو هيّأ نفسه للانخراط فيها كل يوم سبت، كان منطلقا بصدق من هذا الأساس المشروع، لكن أعتقد أن مثل هذا التأييد العفوي، والموقف الصادق، سيتحول إلى كذب على النفس إذا أهملنا في هذا السياق حقيقتين مهمتين:
-
1 ـ تتعلق الأولى، بحقيقة أن إسقاط رأس النظام الذي تسعى المسيرات السبتية إلى إسقاطه، لا يعني أبدا إسقاط النظام وتغييره، وقد أثبتت التجربة التاريخية في التسعينيات أن صانعي ثورة الإنقاذ، نجحوا في إسقاط رأس النظام آنذاك الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، إلا أن ذلك لم يكن يعني النجاح في قطع أذرع النظام الأخطبوطية الممتدة في عمق مقاليد السلطة والحكم ومؤسسات الدولة عبر منظومات سياسية وعسكرية وأمنية، غير قابلة، بحكم جوهرها الصلب، للتفكيك السريع.
-
ولذلك، ينبغي أن نتساءل: ما جدوى أن تطالب حركات التغيير الآن برأس بوتفليقة، إذا كان سقوطه لا يعني سقوط النظام، هذا إن لم يكن أصلا قابلا للسقوط مثلما عبّر عن ذلك مؤيّدوه في شعار: “يا السعيد احكم دارك بوتفليقة مش مبارك”؟!
-
2 ـ وتتعلق الثانية، بحقيقة أن التوجه العلماني الذي يحاول الآن تأطير المسيرات التغييرية وتوجيهها، لا يلقى قبولا شعبيا واسعا، رغم حضوره الإعلامي المكثف، ولا تحظى نخبه وعلى رأسها السعيد سعدي بالاحترام الجماهيري المطلوب.
-
وهل من المعقول، في ضوء هذه الحقيقة، أن يشارك الإنسان في مسيرة يقودها السعيد سعدي، أو ينتظر أن يؤدي ذلك إلى نتيجة مقبولة بعد أن سجلت الجماهير موقفها الواضح ضد هذا الشخص وحزبه في مختلف المناسبات الانتخابية، ولم تمنحه أصواتها إلا في حالات شاذة ونادرة؟!
-
-
وأين الحل؟
-
أعتقد أن فهم مخاضات الحالة الجزائرية على ضوء هاتين الحقيقتين على الأقل، هو ما يمكن أن يؤدي إلى تعميق القناعة بأن التوجه الإصلاحي في هذه المرحلة الساخنة، هو الضامن الأحسم لفتح المستقبل على ممكنات التغيير المرحلي، بعيدا عن القفز المتهور، وبهلوانيات الرقص على الحبال. وأعتقد أن رئيس الجمهورية، هو من سيكون المعني الأول بتكريس هذا التوجه الإصلاحي، واتخاذ الخطوات اللازمة والسريعة لإنجازه، تفاديا لأيّ توجه إنزلاقي يمكن أن يعمّق خسارة الجزائريين، ويضاعف من مآسيهم التي أثقلت كواهلهم خلال عشرية سوداء.
-
وأنا كمواطن جزائري، مع التغيير وضد سعيد سعدي وأشباهه، أتمنّى لو أن الرئيس بوتفليقة، يكمل قريبا ما أعلنه من إصلاحات إجرائية، بخطوات جريئة، يكون في طليعتها:
-
1 ـ الحل الفوري للحكومة الحالية، وإعادة تشكيلها على أساس حكومة كفاءات وطنية، بدل الحكومة السياسية القائمة على نظام “الكوطة” والتمثيل الحزبي الذي أدى في حالة أحزاب التحالف إلى إغلاق ما كان يجب فتحه.
-
2 ـ زيادة نسبة تشبيب الحكومة إلى ما لا يقل عن 80 بالمئة، وإعطاء الفرصة للطاقات الحيوية في قطاعات الشباب لتسيير إدارة الدولة وشؤونها والتخلص من فكرة الوصاية الأبوية التي حرمت أجيال الاستقلال من تسيير شؤون بلادهم، وأحالت كفاءتهم على التقاعد المبكر. ونريد أن نذكر في هذا السياق، الرئيس بوتفليقة، أن عمره لم يتجاوز الـ25 سنة حين استلم وزارة الشباب والرياضة في حكومة الاستقلال الأولى وقادها بكفاءة عالية، فلماذا ـ إذن ـ لا نثق في قدرات شبابنا الحالي وكفاءاتهم، ونمنحهم فرصة الإدارة والتسيير والقيادة مثلما منحت ذلك أمريكا إبنها أوباما وهو لم يتجاوز عقده الخامس، بل مثلما منح ذلك الشعب الجزائري شبابه من مفجري ثورة التحرير الذين لم يتجاوز معدل أعمارهم الـ25 سنة؟
-
3 ـ إعادة النظر في المواد الدستورية المتعلقة بالعهدة الرئاسية، وتحديدها بعهدتين فقط ومن 5 سنوات لكل منهما.
-
4 ـ ضخ المزيد من الأموال المخزونة خدمة للمشاريع الاجتماعية العمومية وعلى رأسها مشاريع الشباب.
-
5 – فتح المجال أمام حرية إنشاء الأحزاب السياسية، وتفكيك المنظومة الإعلامية “المسلحة” وفتحها أمام التنافس الحر والقطاع الخاص.
-
يقال أن مجلس الوزراء الذي استدعاء بوتفليقة اليوم، سيتخذ خطوات في هذا الإتجاه الصحيح، لكن مانتمناه ألا يكون ذلك بنية الإلتفات على المطلب التغييري وصبّ المزيد من الماء البارد على شارعه الساخن.