الرأي

أنقذوا منشآتنا الرياضية

بقلم: مسعود قادري
  • 620
  • 0

بعد الإعلان عن الانطلاق الرسمي للأشغال في  المركب الرياضي لمدينة بشار ليدعم  المنشآت  الكبرى متعددة النشاطات، التي ستساهم في ترقية التربية البدنية والممارسة الرياضية بالبلد وتنتج أجيالا من المواهب والأبطال في مختلف التخصصات، في انتظار انطلاق الأشغال بمركب ورقلة وإعادة بعث  مشروع مركب سطيف الذي لم يعد محل اهتمام منذ مدة، مع أن الولاية تعتبر قطبا من أقطاب الرياضة الوطنية بامتياز منذ الاستقلال ولها كثافة سكانية عالية ـ الثانية بعد العاصمةـ كما تزخر بفرق عريقة لها باع طويل في التكوين البدني والرياضي للشباب. لذا، يؤمل أن تستأنف به الدراسات ثم الأشغال قريبا.

في انتظار هذا وذاك، يأتي  إنجاز هذا المنشآت الحديثة الهادفة إل اكتساب قاعدة انطلاق لرفع مستوى رياضتنا في مختلف الفروع وتحسين صورة البلد في القارة من حيث جودة المنشآت من جهة ولمَ لا التفكير مستقبلا في احتضان كأس العالم  أو الألعاب الأولمبية  بعد تحسّن القطاع السياحي عامة والفندقي بالخصوص، لكن البداية تكون بالمحافظة على الموجود وتحسين أدائه وصيانته ليواصل أداء مهامه  على أحسن وجه.

العناية بالصيانة أوّلا
قبل الحديث عن المنشآت الرياضية الضخمة التي تشيَّد بالأموال العمومية لتبقى عالة على الخزينة في تسيرها وصيانتها من الواجب لفت الانتباه إلى قضية صيانة المنشآت والعناية بها ومراقبة المشرفين عليها،  فقد بدا للعيان أنها تعاني قلة اهتمام من القطاع ككل هياكله ومنشآته سواء من حيث النقص في التسيير أوالاستغلال الأمثل..
المعاناة الكبيرة في المركّبات المتعددة الرياضيات  التي كشفت المباريات الأخيرة في تصفيات الكؤوس الإفريقية أن أرضياتها العشبية أصابها الجفاف والتلف  كما هو حال ملعب نلسون مانديلا، الجوهرة التي صارت  في ظرف زمني قياسي قفارا، بل قد تتحول إذا استمرت أمور التسيير على حالها إلى مسخرة، ومن العار كشفها للخارج لأنها تسيء لكل أطر التسيير في البلاد.. نرجو الله أن لاتكون ملاعب هدفي وعلي عمار وآيت أحمد رغم حداثتها تعاني المشكل ذاته، مشكل العشب الطبيعي الذي نجح في الصحاري والوديان والجبال بملاعب العالم كلها وفشلت فيه إطاراتنا لأنه لا يتم اختيارها ـللأسف الشديدـ وفق معايير علمية ومهنية، بل تكريمية لـ”المعارف” والإطارات الفاشلة في القطاع.

إدخال الطابع السياحي على هذه المرافق
يبدو والله أعلم أن إعطاء الفعالية التسييرية لهذه المركّبات وتمكينها من لعب دور اجتماعي سياحي ورياضي رائد مثل بقية الملاعب العالمية الكبيرة التي تشكل رافدا اقتصاديا للنادي والقطاع .. يفرض اختيار من يسيرها من بين  إطارات لها خبرة كبيرة في الخدمات والسياحة، لأن الأطر الرياضية التي تكلف بالتسيير غالبا ما يتحكم فيها الفكر الإداري الجامد الذي يكبّل حركة المسيّر ويفرض عليه التقيد بتنفيذ ميزانية سنوية تقدمها الدولة لضمان مرتبات العاملين واقتناء بعض الضروريات. لذلك يبقى تفكير المسيِّر محصورا في  ضمان استمرار المرتبات خوفا من ردود الفعل النقابية التي لاتتحرك عند  التقصير في التسيير والعمل وضياع حق الدولة والمرفق، ولا تحسيس العامل  بأداء الواجب ويقتصر دورها في الدفاع عن حقوق العمال ومرتباتهم تفاديا للمشاكل وضياع المناصب. بينما التسيير السياحي لهذه المركّبات سيفرض عليها انتهاج سياسة اقتصادية ناجعة وفعالة تضمن للمنشأة التطور وتحسين صورتها لدى المترددين الدائمين عليها من خلال ماتعرضه من خدمات  سياحية وترفيهية على مدار العام وفي عديد الاهتمامات.

الاستفادة من خبرة النوادي العالمية

المنشآت الضخمة التي أضيفت لمركّب 05 جويلية الذي يعود تاريخه إلى أكثر من نصف قرن فقط (52 سنة) ويعدّ ملعبا حديثا مقارنة بملاعب عديدة في العالم. هذا المركّب المفخرة عانى الكثير من سوء التسيير والإهمال وغلق منشآته فترات طويلة ثم تُفتح في مناسبات قصيرة ليلفّها الغبار مجددا.. هذه المنشأة العملاقة أضيفت لها  إنجازات أحدث وأجود، مركب ميلود هدفي بوهران، ونلسون مونديلا ببراقى، وعلي لابوانت بالدويرة وآيت أحمد  بتيزي وزو. مثل هذه المرافق الحيوية التي تعلق عليها آمالا كبيرة في دفع  قطار الرياضة عامة وتحسين مردوديتها رياضيا واقتصاديا واجتماعيا بالخصوص، باعتماد نمط تسيير عصري اعتمادا على  النظم المنتهجة في مركّبات الأندية الكبرى في العالم، لخلق ديناميكية جديدة للممارسة الرياضية السليمة مع محيط اجتماعي واقتصادي  ينطلق مما يلي:
• اعتماد هذه المركبات على نفسها في تغطيىة الكثير من التكاليف التي تثقل كاهل الخزينة العمومية.
• توفير جو رياضي وتربوي حول كل منشأة يسمح  بربطها بجماهيرها على مدار السنة من خلال المرافق الملحقة الآتية:
1ـ ملحقات رياضية كالمسابح والقاعات الرياضية المتخصصة  المدفوعة الثمن للراغبين في بناء الأجسام وممارسة الرياضات القتالية غير الأولمبية مثلا وكل الأنشطة التي تساهم في التربية البدية والرياضية للفرد.
2ـ ملحقات ترفيهية للأسر والأطفال تتضمن مساحات مخصصة للّعب تضم كل الألعاب التي تخرج الطفل من محيطه العادي وتمنحه الفرصة لاكتشافات ومعارف جديدة.
3ـ مرافق سياحية في مقدمتها الاستغلال الأمثل لمواقف السيارات وحراستها لتوفير الأمن للعائلات والزوار الذين يقصدون المنشأة.
كما يمكن في هذا السياق، وعلى غرار ما هو موجود في الأندية الكبرى  توفير: مساحات تجارية ومطاعم ومقاهي لجلب السياح من جهة، وربط الأنصار بناديهم ليبقواعلى صلة دائمة به ويساهموا في تطويره.
4ـ تنظيم زيارات استكشافية للمنشأة بكل مرافقها للأطفال والعائلات خلال العُطل الدراسية ونهاية الأسبوع (خارج أوقات المنافسات).
5ـ استغلال قاعات المحاضرات والندوات في تنظيم النشاطات واللقاءاتالخاصة بالبحث عن مناهج تطويرالحركة الرياضية الوطنية.
6ـ كما يمكن استغلال مرافق المنشأة في تنظيم الحفلات والأعراس بأسعار تنافسية (الأولوية للمشتركين بالنادي) تدعم خزينة المنشأة.
7ـ الأمر الأخير ـالأهم في نظرناـ هو إيجاد نموذج للاشتراك والانتماء للمنشأة بصفة منتظمة (اشتراك لمدة طويلة: سنويا، دوريا، شهريا..) وربط هذا المشترِك بامتيازات تمنح  له حسب مدة اشتراكه كحجز مكانه بالرقم في جهة المدرجات التي يحبها، وتخصيص مكان مرقَّم لركن عربته حتى يكون مطمئنا عليها، خلال أيام المباريات دون غيرها طبعا. كما يُعفى المشترك بفضل بطاقته من الطوابير الطويلة  فيخفف بذلك على المنظمين الكثير من التعب والإرهاق فيرتاح ويريحهم من متاعب الطوابير أيام المباريات الكبيرة خاصة.

إخراج المنشآت الرياضية من عزلتها
ماذكرناه آنفا يمكن أن يلاحظه  كل مارّ بشارع أو حيٍّ من الأحياء التي تحتضن مركّبات وملاعب رياضية كبيرة تتربع على مساحات شاسعة، فيثير انتباهه انعزال المرفق عن الحياة والمحيط إلا في أيام ومناسبات معلومة. وتشكو المرافق الرياضية الهجر وانتظار هذه  المناسبات ليقصدها زوارها لساعات ثم توصد أبوابها عكس ما تعرفه مركبات الأندية الرياضية في العالم وملاعبها من حركة دائمة وعلاقة يومية نشيطة مع المحيط العام الرياضي وغير الرياضي.

ملعب نلسون مانديلا، كان جوهرة وصار في ظرف زمني قياسي قفارا، بل قد يتحول إذا استمرت أمور التسيير على حالها إلى مسخرة، ومن العار كشفها للخارج لأنها تسيء لكل أطر التسيير في البلاد.. نرجو الله أن لا تكون ملاعب هدفي وعلي عمار وآيت أحمد رغم حداثتها تعاني المشكل ذاته، مشكل العشب الطبيعي الذي نجح في الصحاري والوديان والجبال بملاعب العالم كلها وفشلت فيه إطاراتنا لأنه لا يتم اختيارها ـ للأسف الشديد ـ وفق معايير علمية ومهنية، بل تكريمية لـ”المعارف” والإطارات الفاشلة في القطاع.

وتُنجز الدولة منذ الاستقلال ملاعب ومركّبات وقاعات رياضية بهدف نشر وتعميم  التربية البدنية والرياضية في المحيط عامة وفي الوسط الشباني بالخصوص. غير أن هذه الإنجازات  ـ وعلى خلاف ماهو معمول به في النوادي الرياضية الكبرى ـ لاسيما المركّبات الضخمة مثل الملعب الأولمبي، وملعب مانديلا، وملعب هدفي، و19ماي بعنابة، وحملاوي بقسنطينة، تُهجر مباشرة بعد انتهاء مباراة سنوية أو حتى أسبوعية وتبقى مغلقة في وجه الجمهور الذي يفترض أن يستفيد من خدمات دائمة تقدمها هذه المركّبات للعائلات لتنشئ معها ومع أبنائها صلة دائمة من خلال ما تتضمنه من قاعات ومسابح وميادين للممارسة المنتظمة للراغبين في الانتماء للوسط الرياضي ومحيط للعب الأطفال وأماكن لاستراحة لأوليائهم للتمتع بمأكولات ومشروبات بأسعار مدروسة وجذابة فتكون الفائدة مزدوجة.

ضمان مداخيل إضافية
ضمان مداخيل إضافية تمكّن المنشأة من الاستقلال في التسيير، وتوفّر للمجتمع ما يمتّع العائلات بأوقاتها مع أطفالها في محيط سليم، ويستفيد الرياضيون من ممارسات منتظمة ومنظمة من خلال ماتوفره لهم القاعات والملاعب المخصصة للتدريب من لوازم الممارسة والاسترجاع بمقابل أيضا يكون منافسا لما هو موجود في القاعات الخاصة.
وقبل كل هذا، فإن المساحات الشاسعة لهذه المرافق ومحيطها المتوفرعلى مواقف كبيرة للسيارات تؤمِّن للزائرين مرْكباتهم، فيتمتعوا بكل اطمئنان وراحة بال.. المستفيد الأول هو المركّب وعماله والدولة وما يوفر لها من مناصب شغل إضافية حول كل مركّب ونشاطاته، علاوة على ما تقدمه الخدمات المنشأة من مداخيل تعود بالفائدة على النوادي المالكة أو المسيِّرة أولا وتريح خزينة الدولة من مصاريف الصيانة والمرتبات…
الفكرة ليست جديدة، فهي ميزة كل المرافق الرياضية في النوادي الكبرى التي لا تنتظر من الدولة صرف الأموال العمومية باستمرار لصيانة هذه المرافق التي تبقى تنتظر، كما هو حال منشآتنا، ما تجود به خزينة الدولة للقيام بأي إصلاح تحتاجه المنشأة التي تشتكي الوحدة والضياع البطيء مع أنها تكلف الدولة الكثير في مرتبات مسيِّريها وحراسها الذين كثيرا مايرون ـ وهو مالاحظناه في عدة ولايات ـ منشآتهم تتآكل لكنهم لا يستطيعون القيام بأي إصلاح أو تغيير لغياب المادة اللازمة والتي تتطلب المرور بطرق روتينية شاقة قبل أن تصل وقد زادت حالة المنشأة تدهورا.
إذن، المقصود هنا، هو أن تتحول هذه المرافق إلى هياكل مستغَلة استغلالا اقتصاديا مربحا ومعقولا بعقود واضحة مع الخواص الراغبين في الخدمة بصيغ تجارية تدرّ عليهم وعلى المرفق فوائد كبيرة وتربطها بمحيطها العامّ الذي سيجد فيها ملجأ عائليا ملائما يجمع شمل الأسر في كل الأمسيات لتبقى الحيوية تسود المنشآت ولا يجد مسيِّروها من الناحية الأخرى مبررا في ترك عوامل الطبيعة والإهمال تتسرب لها فتعجل بإتلافها ..
هي مجرد ملاحظة واقتراح أرجو أن يجد من يستحسنه.

مقالات ذات صلة