أن تلد الأمة ربتها.. تفسير أحداث الشغب في فرنسا
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) سورة الكهف 103-104.
يبدو أن أحداث الشغب المتوالية في فرنسا ليست أحداثا عابرة بل هي أمرٌ يستحق التأمل فيما وراءه، خصوصا وأن هذه الأحداث بدأت تقفز إلى بقية البلدان الأوروبية كما حدث قبل بضعة أيام في سويسرا وبلجيكا، وإذا أردنا أن نتجاوز الأسباب المباشرة للأحداث كحادثة قتل الشاب نائل ذي الأصول الجزائرية- رحمه الله- التي كانت بمثابة الفتيل المباشر للمظاهرات الغاضبة، فإن حديثي سينصبّ على تفسير ما تلا التظاهرَ من أعمال شغب ونهب لا علاقة لها بالموقف الأخلاقي الأول الذي ولَّده الفعل غير الإنساني المتمثل في قتل شاب أعزل أمام الكاميرات على يد الشرطة.
رغم أن مبلغ الدعم خيالي جدا كنقطة مرجعية، لأن 82.9 مليار دولار هو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لـ46 دولة إفريقية في عام 2022، إلا أن دفع هذا المبلغ بالنسبة للشركات والبنوك في الغرب أهونُ من انفجار المجتمع والسقوط المدوي للدول الغربية الذي بات صناع القرار في الغرب يرونه قاب قوسين أو أدنى ويسعون عن طريق دفع المال إلى تأجيله ودحرجته إلى الأمام ما أمكن لأنهم عاجزون عن إعادة عقارب الساعة إلى الخلف.
كمحاولة لتفسير ما يحدث سأطرح مقاربة تعيننا كثيرا على فهم الأمور التي تحدث الآن في الغرب وأمور أخرى على شاكلتها سيتوالى حدوثها تباعا في المستقبل القريب، فالأمر يتعلق بثقافة اليسار الجديد الذي أخذ بتلابيب الغرب، وهي ثقافة فوضوية عدمية متشبعة حتى النخاع بالنسبية الأخلاقية، بل يمكن القول إن اليسار اليوم هو ممثِّلُ ثقافة النيوليبرالية والنظام العالمي الجديد، وهذه مفارقة حيرت الكثير من المراقبين الذين يعتمدون في تحليلهم على المقاربات التقليدية التي تفترض بأن ثقافة اقتصاد السوق الرأسمالي الفردية تقع على الضد تماما من ثقافة اليسار الداعية إلى المساواة الاجتماعية، والسبب في بروز هذه المفارقة هو تجاهل المآلات النهائية التي تؤدي إليها الأفكار العلمانية الغربية لدى المفكرين الذين بشَّروا بالحداثة واختزلوا أشواق الإنسان في جوانبها المادية البحتة.
في جريدة “سبيكتاتور” (الـمُشاهِد) البريطانية يطرح الصحفي إد ويست السؤال الآتي: لماذا تهتم الشركات الكبرى بالسياسة اليسارية؟ وهو سؤال يفرض نفسه في ظل التوجهات الأخيرة للشركات الكبرى والتجمعات المالية في أمريكا والغرب عموما لدعم اليسار الذي أصبح الآن هو الناطق الرسمي باسم الليبرالية الجديدة، وأصبحت شركات مثل غوغل ومجمعات مثل وادي السيليكون ومليارديرات مثل جورج سوروس أكثر اهتماما بمسائل العدالة الاجتماعية من المجتمع في حد ذاته. للإجابة عن سؤال إد ويست يفترض بن ساوث وود من معهد آدم سميث للأبحاث أن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا العطف الليبرالي على قضايا العدالة الاجتماعية وتوبة القط عن أكل الفئران، هو أن العدالة الاجتماعية وفق مفهوم اليسار الجديد أرخس ثمنا بكثير من العدالة الاجتماعية الاشتراكية التي طرحها اليسار الماركسي ذات يوم وأدَّت إلى تقاسم الأنظمة الاشتراكية أرض الكوكب مع الأوليغارشية الرأسمالية الغربية إذ ساهم ذلك في تعطيل مشروع العولمة الأمريكي قرابة نصف قرن.
تتَّصف حركات اليسار الجديد بأنها شبكية وليست تنظيما واحدا؛ فحركة “حياة السود مهمة” على سبيل المثال تضم تحتها أكثر من 150 منظمة ثورية، وسواء كانت المشكلات التي يحتجُّ من أجلها اليسار الجديد تتعلق بالعرق أو الجنس أو الجندر أو الهجرة أو البيئة، فإن الهدف الثوري هو تقويض الرأسمالية والدولة القومية، والحضارة الغربية برمتها، والباقي هو مجرد “تقسيمات صغيرة للعمل” حسب تعبير إريك مان، أحد كبار قادة اليسار الجديد في أمريكا.
يقوم الفكر الماركسي على قصة كبرى تسمى “عقيدة التقدم” وهي أحد الأفكار الميتافيزيقية العلمانية الأساسية التي قامت عليها الحداثة الغربية، وكان لها دورٌ كبير في خلق ما أسميه “الغيبية المادية” وهي فكرة روحية علمانية صناعية تؤدي دورا بديلا عن الإيمان بالغيب الموجود في المنظومة الدينية للأديان السماوية، لكن الغيب التقدمي يبقى غيبا أرضيا وليس غيبا سماويا، ولهذا كانت عبارة “الآن وهنا” هي العبارة المختصَرة عن فكرة الفردوس الأرضي الذي بشّرت به عقيدة التقدم الحداثية. ولما كانت عقيدة اليسار الماركسي قائمة على قصة كبرى فإن أهدافها أيضا تصبح كبرى مثلها، وهذا من شأنه أن يخلق صراعا داخل المنظومة المادية العلمانية، وهو صراعٌ غير مربِح ويعرقل مسيرة العولمة، والبديل الأكثر جدوى منه لإسكات المطالب الاجتماعية، هو دعم اليسار الجديد، وهو يسارٌ عدمي لا يؤمن بقصة التقدم ولايؤمن بأي قصة كبرى، بل يؤمن بالنسبية والسيولة و”القصص الصغرى” ومن هنا ينجم ولعُ اليسار الجديد بفكرة الأقليات لأن الأقليات هي قصصٌ صغرى، وولعه بتفكيك اللغة لأن التفكيك يحول دون تشكل القصص الكبرى والعقائد الثابتة، والمهم في هذا كله بالنسبة للرأسمالية النيوليبرالية، هو صغر أحلام اليسار الجديد، ونسبية مفهوم العدالة الاجتماعية لديه، فاليسار الجديد يتقن الاحتجاج والفوضى وحمل اللافتات المتناسقة والمتناقضة في الوقت ذاته، لكنه لا يدافع عن العمال ولا يملك رؤية كلية لإدارة المجتمع بل هو ضد الرؤية الكلية لأن فكرة الكلي ترجع به إلى عقيدة القصص الكبرى التي نبذها وعاداها.
هذا الوضع الهش والفوضوي لليسار الجديد، سهَّل على الدولة العميقة للرأسمالية النيوليبرالية، شراء ولاء اليساريين بالإكراميات والبقشيش. ومع تضاعف حجم العدمية والسيولة الأخلاقية في المجتمعات الغربية، تزايد اهتمام الكوربوريشن (الشركات العملاقة)، وقطاع المال والبنوك بضرورة إدارة الحركات الاحتجاجية اليسارية وتوظيف الشغب أو توجيهه بعيدا عن مصالح الشركات والتجمعات المالية، حتى لو اقتضى الأمر دفع جزية لهذه الحركات حتى تغضب بعيدا عنهم، كما حدث منذ أشهر قليلة مع حركة “حياة السود مهمة” المشهورة بشغبها في أمريكا مع تنظيمات الأقليات المرتبطة بها إذ تلقت -حسب ما أثبته معهد كليرمونت لرصد طريقة الحياة الأمريكية- قرابة 82.9 مليار دولار كإعانة “لتأليف قلوبهم” وإبقائهم بعيدا عن مصالح الشركات الأمريكية، لأن لهذه الحركة سوابق في التخريب في أمريكا أكثر من تلك التي تحدث في فرنسا الآن، ففي سنة 2020 نفذت الحركة -حسب ما نقلته جريدة نيوز ويك الأمريكية- عمليات نهب وتخريب طالت 200 مدينة أمريكية، مما أدى حسب الجريدة ذاتها إلى خسائر بملياري دولار و25 حالة وفاة، في حين أن خسائر القطاع الخاص في فرنسا تدور في حدود المليار أورو حسب بيان اتحاد أرباب العمل الفرنسي. ورغم أن مبلغ الدعم خيالي جدا كنقطة مرجعية، لأن 82.9 مليار دولار هو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لـ46 دولة إفريقية في عام 2022، إلا أن دفع هذا المبلغ بالنسبة للشركات والبنوك في الغرب أهونُ من انفجار المجتمع والسقوط المدوي للدول الغربية الذي بات صناع القرار في الغرب يرونه قاب قوسين أو أدنى ويسعون عن طريق دفع المال إلى تأجيله ودحرجته إلى الأمام ما أمكن لأنهم عاجزون عن إعادة عقارب الساعة إلى الخلف.
تتَّصف حركات اليسار الجديد بأنها شبكية وليست تنظيما واحدا؛ فحركة “حياة السود مهمة” على سبيل المثال تضم تحتها أكثر من 150 منظمة ثورية، وسواء كانت المشكلات التي يحتجُّ من أجلها اليسار الجديد تتعلق بالعرق أو الجنس أو الجندر أو الهجرة أو البيئة، فإن الهدف الثوري هو تقويض الرأسمالية والدولة القومية، والحضارة الغربية برمتها، والباقي هو مجرد “تقسيمات صغيرة للعمل” حسب تعبير إريك مان، أحد كبار قادة اليسار الجديد في أمريكا. وقد يبرز سؤالٌ آخر مهم هو: أين دور المحافظين المدافعين عن ثقافة الغرب؟ ولماذا ابتلعهم اليسار؟ هنا تطرح مفارقة أخرى تسمى “معضلة المحافظين”، والتي تعني أن تبني الفكر الليبرالي المحافظ لأفكار الليبرالية الاقتصادية وفكرة قوانين السوق الرأسمالية بدءا من آدم سميث إلى يومنا هذا، ساهم بشكل أساسي في تدهور حضارة الغرب بما جعل الرأسمالية تأكل نفسها كما يحدث الآن، لأن ترك قضية العدالة الاجتماعية إلى فكرة آلية مبهمة كفكرة السوق التي سماها آدم سميث “اليد الخفية”، معناه في الواقع معاداة كل الأفكار المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وتجاهل الأثر المدمِّر لهذا العداء على المدى البعيد، وهو ولادة الفكر اليساري العدمي من رحم الفكر المحافظ ذاته بطريقة تجعل من المستحيل العودة مرة أخرى إلى الوراء لأن “إيديولوجيا التقدم” ترفض ذلك!
لعل خطاب الرئيس الفرنسي الذي اختزل أسباب أحداث الشغب في فرنسا في اللعب الالكترونية التي يمارسها الأولاد في البيوت، ووزيره للعدل الذي هدد أرباب الأسر بالسجن والغرامات المالية في حال لم يمسكوا أبناءهم عن الخروج إلى الشارع، يؤيد تحليلنا السابق، فقرار العقوبات هذا مُصادمٌ تماما لترسانة التشريعات والقوانين اليسارية التي تصدرها فرنسا والدول الغربية بشكل عام والتي تضع القيود تلو القيود على الأسر والآباء فتمنعهم من أي تدخل أو تحكم في الأولاد يتعلق بحياتهم الخاصة.
أدت الليبرالية التي دعمها المحافظون إلى تغيير المجتمع بشكل جذري ودراماتيكي، وإلى اجتثاث كل الأشياء والأحلام التي يعتز بها المحافظون، وهكذا تحول التقدم المستنير إلى عدمية مظلمة. وفي بيئة شابة يهيمن عليها العلمانيون الليبراليون اليساريون، سرعان ما تغرق أصوات الأقلية المحافظة والدينية وتصبح سياسات العدالة الاجتماعية بمفهوم الأقليات التفكيكي اليساري الجديد هي القاعدة. يقول بن ساوثوود إن لسان حال الشركات مع اليساريين هو: “ما دمتم لا تهتمون بشؤوننا الضريبية، فلنتحدث معا عن مدى فظاعة العنصرية! إنّ شعارات الفضيلة رخيصة، و”التسامح” سهل عندما لا يكلفك شيئًا على وجه التحديد؛ وطالما أنك تتشدق بالتنوع والمساواة، فإن الكثير من اليسار سوف يتجاهل كيف تتصرف بالفعل وسوف يركزون غضبهم على “المخابز الصغيرة”، بينما في الماضي ربما ركزوا على الأجور أو معاملة المنتجين، وبدلا من الاشتراكية (الماركسية) المكلفة جدا لقطاع المال والأعمال فإن العدالة الاجتماعية لليسار الجديد قد تكون أكثر نفعا، ومثال ذلك الهجرة الجماعية التي يدعمها اليسار وتفضلها الشركات الكبرى لما لها من أثر في تخفيض الأجور… وفي حالة الأجندة الجنسية على وجه التحديد، ربما يكون هناك سببٌ آخر لدعم الانفلات الجنسي، وهو أن المصالح الآنية للشركات الكبرى تتعارض مع مصالح الأسرة التقليدية، ففي العادة تقوم العائلات “التقليدية” بإخراج النساء من القوى العاملة للاهتمام بالأطفال، وأي شيء يقلل من توافر العمال سيضرّ بمصالح العمل”، ويضيف ساوثوود: “قد يكون هناك أيضًا حجة مفادها أن الأشخاص في الأسر النووية التقليدية، الذين هم أكثر استقرارًا ولكنهم مثقلون أيضًا بتكاليف المعيشة المرتفعة، هم أقل الفئات عرضة للاستهلاك والاقتراض”.
لعل خطاب الرئيس الفرنسي الذي اختزل أسباب أحداث الشغب في فرنسا في اللعب الالكترونية التي يمارسها الأولاد في البيوت، ووزيره للعدل الذي هدد أرباب الأسر بالسجن والغرامات المالية في حال لم يمسكوا أبناءهم عن الخروج إلى الشارع، يؤيد تحليلنا السابق، فقرار العقوبات هذا مُصادمٌ تماما لترسانة التشريعات والقوانين اليسارية التي تصدرها فرنسا والدول الغربية بشكل عام والتي تضع القيود تلو القيود على الأسر والآباء فتمنعهم من أي تدخل أو تحكم في الأولاد يتعلق بحياتهم الخاصة، زيادة على ذلك، فإن تحميل الحكومة الفرنسية مسؤولية ما يحدث من شغب للقائمين على ما تبقى من خيال “الأسرة التقليدية” في فرنسا من دون الحديث عن المنظومة العلمانية الإلحادية المتجبِّرة التي هي المبتدأ والخبر في كل أشكال الدمار الأخلاقي والاجتماعي الذي يعيشه الغرب والعالم أجمع بالتبعية، يشبه قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
إن استدعاء قيم دعم الأسرة والأخلاق الاجتماعية في وقت الأزمة ممن يحارب فكرة الأسرة وقيمها بدعم قوانين الشذوذ والإباحية والانفلات الجنسي، هو شكلٌ صارخ من أشكال إفلاس الأخلاق السياسية يسلكه زعماءُ الغرب بالضغط على الطرف الضعيف وللتهرُّب من الإجابة عن الأسئلة الكبرى والتي على رأسها: إلى متى تصرُّون على حماية العلمانية والأفكار المعادية للإنسان ونشرها وهي أمام أعينكم تدمر المجتمع وتأكل الأخضر واليابس؟