أهل السنّة أمّةٌ وليسوا طائفة
نشرت مجلّة “فورين بوليسي” الأمريكيّة، قبل أيام، مسوّدةَ تقرير صادرةً عن وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، طالبت فيها السلطاتِ بمواصلة مراقبة من وصفتهم بـ “المهاجرين من المسلمين السنّة الذين يشكّلون خطراً”.. ولم تكن هذه المرّةَ الأولى التي تؤكّد فيها الأوساط الغربيّة اهتمامها بمراقبة ومحاصرة المسلمين السنّة دون غيرهم، فقد سبق وأصدرت مؤسّسات بحثية غربية، بينها مؤسّسة RAND الأمريكيّة، تقارير توصي باتّخاذ كلّ الأساليب الكفيلة بمواجهة “الإسلام السنيّ” أو على الأقلّ تجريده من حركيته وثَنْيِه عن سعيه لاستعادة مكانة الأمّة وقوتها، وإصدار نسخة “علمانية” منه يتولّى التّرويج لها لفيف من الدعاة المهيّئين لهذا الدّور.
ربّما يحدث أن توجِّه الأوساط الغربيّة نقدا “إعلاميا” عابرا لبعض الطّوائف الإسلامية، وقد يصل الأمر إلى تصنيف بعضها على قوائم الإهاب لدى بعض الدول، من دون أن يُترجم ذلك إلى عداء في الواقع فضلا عن أن يترجم إلى حروب متوالية ومستمرّة لكسر العظم، لكنّ العداء الأكبر والحروب الظّالمة المستمرّة هي على أهل السنّة الذين يُنظر إليهم على أنّهم كانوا ولا يزالون يمثّلون المخزون البشريّ لأمّة الإسلام وعمودها الفقريّ ومحرّكها الأساسيّ، على خلاف الطوائف المتطلّعة إلى لعب دور داخل جسد الأمّة المسلمة، حيث تدرك الأوساط الغربيّة أنّ هذه الطّوائف ليس في برنامجها منابذة الغرب في سوى “بعض” الأراضي التي يحتلها، وليس ضمن قائمة أولوياتها بعثُ المشروع الإسلاميّ واستعادة أمجاد الأمّة؛ فمشروعها لا يتعدّى إقامة كيانات طائفية تعمل على إرباك الأمّة المسلمة، كما حصل في محطّات مختلفة من التاريخ الإسلاميّ.
الغرب يدرك هذه الحقيقة ويتحرّك على أساسها، من خلال كيل الاتّهامات لأهل السنّة وحدهم، وإعلان الحروب الظّالمة عليهم وحدهم، وفي بلادهم دون سائر البلدان، كما يسعى في الوقت ذاته لتقوية بعض الطّوائف وجعلها ندا لأمّة أهل السنّة، كما هو حاصل منذ العام 2003م، حيث تماهى الغرب مع المشروع الإيرانيّ الشيعيّ الطّائفيّ ومكّنه من التّوسّع داخل الجسد الإسلاميّ، ولا يزال يتيح له كلّ الفرص ليتمدّد أكثر فأكثر، وقد ذهب التقرير الذي صدر عن مؤسّسة “RAND” الأمريكيّة في 22/ 05/ 2017م والمتعلّق بـ”مستقبل العلاقات الطائفية في المنطقة”؛ ذهب بعيدا، ليتنبّأ في أحد السيناريوهات التي توقّعها للمنطقة، باستقواء المعسكر الشّيعيّ مستغلا تفكّك الجسد السنيّ، وتواصلِ حشد الأتباع والموالين على طريق “إعادة التوازن التاريخي الذي اختل لصالح السنّة (المظلومية الشيعية)”، بل إنّ التقرير يذهب إلى أنّ الشّيعة وإن كانوا في تعدادهم 1 إلى1,5 بالنّسبة إلى أهل السنّة، ولكنّهم 1 إلى 1 على خطّ الصّدع الطّائفيّ!!!
ليس غريبا أن يتواطأ الغرب لجعل الطّائفة نِدا للأمّة ويوجّه حرابه إلى الأمّة لإضعافها أمام الطّائفة، لكنّ الغريب أن يتماهى بعض المنتسبين إلى أهل السنّة مع مغالطة تصنيف أمّة أهل السنّة على أنّها طائفة من الطّوائف! ويقبلوا بوضعها في الكفّة مقابل طائفة متوثّبة يُعلى شأنها وتُلبس لباس زور أكبر من حجمها لتكون ندا للأمّة، على الرّغم من أنّ المنتسبين إليهالا يبلغ تعدادهم ربع تعداد أهل السنّة في العالم، ولم تقدّم للأمّة ولا لدينها ومصادره شيئا يذكر أمام ما قدّمته أمّة أهل السنّة.. والأدهى من هذا أنّ المنافحين عن الطّائفة لا يرعوُون عن اتّهام كلّ من يتصدّى لشذوذاتها وعدوانها على مصادر الإسلام ورجاله، بأنّه طائفيّ! على الرّغم من أنّه يَدفع عن الأمّة عدوان طائفة تتطلّع لتكون بديلا لأمّة الإسلام.. أحقّ النّاس بوصف “الطّائفيّ” هو من يتعصّب لطائفة تنشأ داخل الأمّة على غير الأصول التي عرفتها جماهيرها، ويهاجم مصادر الدين ورموز الأمّة لصالح طائفته.
أهل السنّة هم الأمّة، ومهما توالت عليهم المؤامرات ودبّ الضّعف في أوصالهم وخنقت العلمانية أنفاسهم، فلن يكونوا في حاجة إلى طائفة أو طوائف ترفض التنازل عن شذوذاتها وتعديل بوصلة أهدافها.. أهل السنّة لم يتركوا شيئا من الإسلام ليحمله غيرهم، فهُم من حفظوا –بفضل الله- القرآن وروُوا السّنن ودوّنوها وجعلوا لها مصنّفات واهتمّوا بتمييز صحيحها من ضعيفها، ونافحوا عن القرآن والسنّة وعن الإسلام في وجه حملات التشكيك التي شنّها المستشرقون وورثها عنهم الملاحدة والعلمانيون، وهم من فتحوا الفتوح، وحملوا الإسلام إلى شرق الأرض وغربها، ووقفوا في وجه الحملات الصليبية وحملات التتار والمغول، بخلاف الطوائف المنتسبة إلى أمّة الإسلام كالعبيديين والقرامطة والشيعة الاثني عشرية، التي امتلأ تاريخها بالغدر والخيانة وطعن الأمّة في خاصرتها وتعطيل الفتوحات الإسلاميّة.