الرأي

أوهام فرحات مهنّي.. مشروع صهيوني فرنسي مغربي!

لم تكن الجزائر، في أي مرحلة من تاريخها المعاصر، مزعجة لأعداء الوطن والأمة قاطبة مثلما هي عليه اليوم، بمواقفها السياديّة، الرافضة لمنطق الوصاية الخارجية، وصمودها في مواجهة المشاريع الاستعمارية القديمة منها والجديدة، ورفضها الدخول إلى بيت الطاعة الصهيونية تحت عناوين التطبيع والسلام.

لذلك ظنّ محور العداء الإقليمي، من “إسرائيل” إلى مملكة الحشيش، مرورًا بفرنسا، أنه الوقت المناسب لإعلان “وهم الانفصال”، باسم شرذمة منبوذة من الخونة والعملاء الذين يتنقَّلون بين تلك الأقطار، بكفالة ماديّة كاملة من رُعاتهم، بينما لا صدى لصراخهم المبحوح في الداخل والخارج على السواء، إلا داخل بلاتوهات مسخّرة من تل أبيب والرباط وباريس.

لا توجد اليوم قضية في الجزائر اسمها “منطقة القبائل” أو الشاوية أو بني ميزاب أو التوارق أو العرب، مثلما لا وجود لصراع هويّة فعلي بين الجزائريين، فهم يعيشون تحت سقف وطن واحد في تآلف وتعايش وانسجام منذ قرون مديدة، أمّا ما يطفو من حين إلى آخر في صورة معارك مصطنعة وموجّهة من دوائر أجنبية معروفة الأهداف، فهو مجرد فقاعات لا أثر لها فوق أرض الشهداء وبين أبنائهم وأحفادهم.

لقد قلنا مرارا إنّ هوية الجزائر واحدة وجامعة بأبعادها الإسلامية والعربية والأمازيغية، انتماء حضاريا وثقافة ولغة، ولم يعد الأمر موقفا فكريا، بل هو حقيقة متجذرة في وعي المواطنين وصلب الدستور وقوانين الجمهورية، تكرّسه الدولة والإعلام وكل مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتعليمية.

إن الجزائريين، من تيزي وزو إلى تمنراست ومن تندوف إلى تبسة، فخورون بتنوّع عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم وموروثهم التاريخي، فهو يشكّل، في تكامل وتناغم، الثقافة الجزائرية الثرية، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وما يمارسه أحيانا، على مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الجهلة أو المدفوعين عن طريق مخابر التوجيه، من خطابات تمييز عنصري وكراهية، فهو حالات شاذّة ومعزولة، لا تعكس الضمير الجمعي للأمة، ولا تعبّر عن القناعات المشتركة لأفرادها.

مسألة التوظيف الهوياتي لتفكيك الأوطان في عصر العولمة، بذرائع حقوق الإنسان والأقليات الزائفة، صارت لعبة مكشوفة أمام كل الأمم، وهو ما يجعل الأنظمة الراشدة تنزع نحو مقاربات الإدماج الثقافي والاحتواء والانفتاح على كل شرائح مجتمعاتها، بعيدا عن سياسات الإقصاء والتعسّف والحرمان من الحقوق الطبيعية المرتبطة بكينونة الإنسان.

وهو ما ينبغي كذلك أن تدركه كافة النخب المجتمعية وتنخرط فيه بلا تردّد، لأنه السبيل الوحيد لتحصين فئات الأمة من نزعات الانطواء على ذاتها والاحتماء الهوياتي الضيق والانغلاق ثقافيا، تمهيدا لغرس روح الانفصال المعنوي ثم السياسي، عندما تفشل الدول في الاستجابة لميول مكوّناتها التعدّدية وفهم التحوّلات الكونيّة من حولها.

نحن مطمئنون في الجزائر إلى أنّ بلادنا أحسنت تدبير مسألة مطالب الهوية بشكل عقلانيّ متدرّج، حتى طوت هذه الصفحة بشكل نهائيّ حاليا، ولم تعد أي جهة ترفع انشغالات ذات طابع ثقافي أو لغوي أو تراثي أو عرقي، إذ وعى المواطنون بشكل جماعي، بعد أن تحمّلت السلطات مسؤولياتها التاريخية، أنّ الوطن يسع الجميع بكل تنوّعاتهم، وأنّ الأولوية الآن تكمن في التفرّغ لاستكمال معركة التنمية والازدهار وصيانة الاستقرار العام.

لذلك، ليس غريبا أن يمرّ إعلان المدعو فرحات مهنّي من عاصمة الاستعمار الفرنسي البغيض مرور الكرام، لأنه لا يشكّل أيّ حدث يسترعي الانتباه بين الجزائريين، فقد وعوا جيدا المخططات اليائسة للتشويش على مسيرتهم الوطنية، ولا يمكن لحفنة مرتزقة، باعت ضمائرها للشيطان، أن تهزّ ثقتهم بوحدتهم المحصّنة بدماء 6 ملايين شهيد، سقوا تربة الجزائر الزكيّة، حين تلاحموا بكل أعراقهم وألسنتهم ومناطقهم في وجه الاحتلال البغيض.

هل ينبغي أن نعيد التذكير الآن أن أوهام زمرة فرحات مهنّي هي مشروع الكيان الصهيوني الفرنسي المغربي منذ عقود؟ نعم تلك هي الحقيقة الجليّة التي لا غبار عليها، ولذلك نفثت سمومها في هذا التوقيت بالذات، بأوامر مباشرة من عرّابيها الدوليّين، حين صارت الجزائر عصيّة عليهم إلى حدّ الندية والتحدّي.

كم نبّه العقلاء، على الدوام، إلى ضرورة التمييز بين الحق المبدئي والمشروع في ترقية الانتماء الأمازيغي للجزائريين بكل تجلياته اللغوية والثقافية والشعبية، والعمل على تقوية الهوية الوطنية بالتكامل بين أبعادها التاريخية، وعلى رأسها الإسلام والعربية، لقطع الطريق أمام النافخين في نار الفرقة، وبين أدوات المشروع التآمري المتستر تحت عباءة مسمّى “المسألة الأمازيغية” المفترى عليها!

إنّ رهط الأمازيغية المظلومة هم أولائك الخونة من أزلام العدو التاريخي للجزائر، حيث يجدون أنفسهم اليوم مكشوفين أمام العالم، إلا من دعم أسيادهم الصهاينة والفرنسيين والمخزنيين، للانتقام لهم بالوكالة من بلد الأحرار، حتى وهم موقنون، قبل غيرهم، أنّ تحقّق خيالاتهم من سابع المستحيلات.

هؤلاء في واقع الحال أعداء للأمازيغية نفسها، إنهم يرفعون فقط شعارها منذ عقود لمحاربة العروبة والإسلام في الجزائر، لأجل خدمة المشروع الفرنسي الذي عجز الاحتلال طيلة 132 سنة من الاستيطان عن تنفيذه، فلمّا وجدوا بساط الهويّة مسحوبا من تحت أرجلهم، أشهروا ورقة الانفصال/ السّراب في الزمن الخطأ وللمنطقة الخطأ، بعدما يئسوا من تصديق الشرفاء لهم في دعاويهم الكاذبة وافتضاح مخططهم الاستعماري.

مقالات ذات صلة