-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أين تضع مصر قدميها؟

صالح عوض
  • 237
  • 0
أين تضع مصر قدميها؟

لم يكن جمال حمدان المفكر المصري الاستثنائي قادرا على تحمل الابتعاد عن تأمل مصر ودورها وقيمة ذلك في الإقليم وفي دوائرها العربية والإفريقية والإسلامية، فانكب تاركا وظيفته كأستاذ للجغرافيا السياسية في جامعة القاهرة ليسكن وحيدا في غرفة صغيرة تحت الدرج في إحدى العمارات المهملة قبل أن يلتهمه حريق يودي بحياته.. وفي مسكنه المنسي كتب جمال حمدان سلسلة كتب أصبحت في مصر من أسمى ما توصل إليه العقل المصري من أفكار واحتل كتابه “شخصية مصر” الضخم موقعا متميزا في طرح المفكر المبدع جمال حمدان..

من هنا ننطلق لتلخيص المسألة على نحو يجيب على تساؤل كبير وملحّ بشدة: لماذا مصر وأين مصر؟ فمصر بالنيل المهذب واهب الحياة، ومصر بموقعها الاستراتيجي في قلب منطقة شهدت الأحداث التاريخية الكبرى وبالقرب من كل نقاط الاشتباك الإستراتيجية، جزيرة العرب وبلاد الشام.. ومصر بتجربتها الإنسانية العميقة متعددة الأشكال وخروجها من كل وافد عليها بنمط خاص تداخل فيه المزاج مع التجربة مع القوانين.. ومصر التي أصبحت الكتلة الكبرى في شعوب العرب حيث وحدها تبلغ ثلثهم، وفيها قدّم الفكر والثقافة المخزون الكبير لحركات النهضة العربية بألوانها بل ومصنع الثقافة العربية والتنوير الديني من خلال الأزهر وعلمائه، واستطاعت بهذا وبسواه أن تكون بالنسبة لكل العرب الركن المعتدّ به في مواجهة تحديات الاستعمار الغربي القديم منه والحديث، وأصبحت في القرون الأخيرة القلعة التي يعتبر العرب ضعفها ضياعا لهم ولا يغير من قناعتهم هذه معارضتهم لسياسات راهنة أو خطاب معين، فمصر بهذا لم تعد دولة إقليمية أساسية فحسب، بل تقدمت دائرتها الإفريقية والإسلامية على اعتبار قوة تأثيرها في مجالها الحيوي، وهذا ما جلب عليها المؤامرات بأنواعها.

لهذه الأسباب كان لابد أن تأخذ مصر دورها باقتدار من اجل مصر ومن اجل العرب ومن اجل الإسلام، فعبقرية المكان تؤهّلها إلى نوعية خاصة من الأدوار في الإقليم وعلى مستوى العالم.. أدوار لا يمكن أن يملأها غيرها بما عُرف عنها من عدم تطرف، فكان إسلامُها مدنياً تجلّى بعطاءات الأزهر قبل أن يختطفه الأعراب الذين حوّلوه إلى سيوف تقطع الرقاب وفتاوى تكفّر عباد الله وتدمر ما أشاد الإنسان من مدنية.. ويقول لنا التاريخ إنه من العبث أن نختصر مصر في حاكم أو مرحلة أو تصرف من هنا أو هناك، فمصر لديها القدرة على تجاوز أسوأ المراحل مهما طالت، فلقد كانت عبر التاريخ حمالة هموم الأمة تقدّم من أجلها بلا حدود لاسيما في معاركها التاريخية الفاصلة في مواجهة التتار والصليبيين وإسنادها لحركات التحرر العربية في استقلال بلدانها.. ومن الملفت أنه بمقدار ما تمثل مصر للعرب، فان العرب أيضا هم من يعطي مصر مبرر دورها الإقليمي والدولي، فهي بهم قوة إقليمية ودولية يُحسب لها ألف حساب.

 يبدو للمتابعين اليوم أن مصر غائبة.. غائبة عن ما يحصل بالعراق من تمزق وانهيار، وغائبة عما يحصل في سوريا من تدمير وتخريب لجبهة طالما اعتبرتها مصر من صميم أمنها القومي، وغائبة عن فلسطين والقدس وهي جبهتها التاريخية الأكثر حضورا في سجل حروبها وتدافعها الحضاري، وغائبة عن انفصال جنوب السودان، وغائبة عن الصومال وجيبوتي والقرن الإفريقي، وغائبة عن حرب اليمن… فمن سوى مصر يستطيع أن يصنع التحوّل الاستراتيجي في مواجهة كل القضايا السابقة؟ وفي غياب مصر نشأت الفراغات ليحاول كثيرٌ من الأحجام الصغيرة في الأمة بدفع غربي ملأها بلا ثقل ولا تجربة ولا تاريخ، فكانت الدوامة والفتن.

يواجه العرب اليوم أكبر خطر يهدد أمنهم واستقرارهم وحاضرهم جملة، فيما تمر مصر اليوم بتحديات محلية وإقليمية ودولية خطيرة للغاية.. ويصبح تفكيك هذه التحديات والتقاط نقطة البداية في معالجتها وإحسان ترتيب لأولويات أمرا في غاية الأهمية، فهو يخرج بنا من التيه والضنك إلى عمل حضاري يصنع وقائع انتصارات.. على المستوى الداخلي هناك أزمة في رأس الهرم الاجتماعي السياسي بالانشقاق الحاصل بين حركة الإخوان المسلمين وتيارهم السياسي من جهة والجيش المصري وتيار ثقافي وسياسي منحاز لموقف الجيش في كيفية معالجة الوضع الداخلي من جهة أخرى..

إن انتقال مصر إلى حقيقة دورها الطبيعي يعني فورا تصالح مصر مع نفسها داخليا؛ فلا الإخوان قادرون أن يحققوا شيئا في مصر من دون جيشها وممنوع أن يفكروا بذلك فهو عمود البيت وهو سيف مصر وحاميها، كما أن جيش مصر لا يمكن أن ينتابه التفكير بتفريغ مصر من الإخوان أو أن يقصيهم من الحياة. 

وعلى المستوى الإقليمي يحاول الكيان الصهيوني الاستفادة إلى أقصى حد من واقع “الصلح” مع مصر لفرض وقائع إقليمية وأمنية تشكل خطرا استراتيجيا في المستقبل على دور مصر وعلى الإقليم جملة كما هو واضح في اختراقات إسرائيل للإقليم في جنوب السودان والقرن الإفريقي لاسيما بمحيط باب المندب وتغوّلها على الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية، ومن جهة أخرى أطماع دول إقليمية بنفوذ في المنطقة العربية محاولة إقصاء مصر واستعدائها كما هو حاصل على الأرض السورية والعراقية..

على المستوى الدولي، فإن غياب مصر عن تفعيل دورها الإقليمي افقدها وزنها الدولي، ومن هنا يجب الانتباه إلى أن هناك جهودا جبارة لإبعاد مصر عن دورها الإقليمي.. وهنا لابد من الإشارة إلى عناصر الإرباك الداخلي التي تستهدف مصر. إن ما يجري في سيناء يفسِّر جيدا النوايا الغربية نحو مصر، وهو مثال صارخ في هذا الباب..

ولكن لابد من القول إن الإشارات السابقة للواقع الذي تعيش مصر، بالإضافة إلى مشكلات البطالة والعجز في الموازنات، لا يعني أن غياب مصر ابدي أو انه طبيعي.. ولعلنا نقترب من القول إن انتقال مصر إلى حقيقة دورها الطبيعي يعني فورا تصالح مصر مع نفسها داخليا؛ فلا الإخوان قادرون أن يحققوا شيئا في مصر بدون جيشها وممنوع أن يفكروا بذلك فهو عمود البيت وهو سيف مصر وحاميها، كما أن جيش مصر لا يمكن أن ينتابه التفكير بتفريغ مصر من الإخوان أو أن يقصيهم من الحياة.. إن تفاهمات إستراتيجية تجعل من الإخوان المسلمين في مصر جزءا حيويا منسجما في مسيرة المجتمع أمرٌ مطلوب تماما لكي تستقر مصر داخليا روحيا وأمنيا.. ولعل هذا خطوة حقيقية نحو تقدّم مصر لاستلام دورها الإقليمي والدولي، وبهذا ندرك تماما أن عافية مصر خيرٌ للعرب وللمسلمين، وبمصر وروح مصر نقضي على الاصطفاف والصراعات البينية، كما نحمي المنطقة العربية من تشتتها على المحاور.. تولانا الله برحمته. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!